شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع الفاتحة

خالد آل رحيم • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فسورة الفاتحة أعظم سور القرآن التي نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولنا معها وقفات للدلالة على عظمتها، وإن كانت كثيرة؛ إلا أننا نحاول الإيجاز في هذا المقال في تناول بعضها.

أولًا: أنها أول سورة نزلت كاملة، وأنها موجزة ومعجزة، وكذلك كان القرآن المكي؛ لأن المخاطبين به هم أبلغ العرب وأفصحهم؛ ولأن مدار البلاغة عندهم على الإيجاز.

ثانيًا: وضعت في أول السور؛ لأنها تنزل منها منزلة ديباجة الخطبة أو الكتاب، مع ما تضمنته من أصول مقاصد القرآن، وذلك شأن الديباجة من براعة الاستهلال (ابن عاشور) .

ثالثًا: أنها من السور القلائل التي نزلت بها البشارة من السماء؛ كما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ. فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: ‌أَبْشِرْ ‌بِنُورَيْنِ ‌أُوتِيتَهُمَا ‌لَمْ ‌يُؤْتَهُمَا ‌نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ ) (رواه مسلم) .

رابعًا: اشتملت على الثناء على الله لما هو أهله، وعلى التعبد، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، وآيات القرآن لا تخرج عن هذه الأمور (السيوطي) .

خامسًا: على إيجازها تضمنت السورة أركان العقيدة الثلاثة:

- توحيد الربوبية في قوله: ( رَبِّ العالَمينَ ).

- توحيد الألوهية في قوله: ( إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعينُ ).

- توحيد الأسماء والصفات في قوله: ( الرَّحمنِ الرَّحيمِ ).

سادسًا: قال الآلوسي: اشتملت على أربعة أنواع من العلوم؛ هي مناط الدِّين:

الأول: علم الأصول ومعاقده: معرفة الله -تعالى- وصفاته في قوله: ( رَبِّ العالَمينَ . الرَّحمنِ الرَّحيمِ ).

الثاني: علم الفروع ورأسه العبادات في قوله: ( إِيَّاكَ نَعبُدُ ).

الثالث: علم الأخلاق وما يحصل به الكمال في قوله: ( إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيّاكَ نَستَعينُ ).

الرابع: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة من السعداء والأشقياء، وما يتصل بهم من وعد ووعيد في قوله: ( الَّذينَ أَنعَمتَ عَلَيهِم غَيرِ المَغضوبِ عَلَيهِم وَلَا الضّالّينَ ) (انتهى) .

سابعًا: أنها تدل على التوحيد الخالص، ونفي الشرك والباطل.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ولا أنفع للقلب من التوحيد وإخلاص الدين لله، ولا أضر عليه من الإشراك؛ فإذا وُجد حقيقة الإخلاص التي هي حقيقة ( إِيّاكَ نَعبُدُ ) مع حقيقة التوكل التي هي حقيقة ( وَإِيّاكَ نَستَعينُ ) كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا" (انتهى) .

ثامنًا: أنها تدل على أهمية العمل الجماعي؛ فقد جاء التعبير القرآني فيها بصيغة الجمع في فضل العبادة والاستعانة وطلب الهداية ( نَعبُدُ - نَستَعينُ - اهدِنَا) دون الإفراد (أعبد – أستعين - اهدني)؛ للتأكيد على الحس الجمعي للمؤمنين في عبادتهم واستعانتهم ودعائهم، وإشارة إلى أهمية العمل الجماعي في الإسلام، فناسب ذلك مجيء صيغة الجمع دون الإفراد. (موسوعة الفروق) .