شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

السياسة فن الممكن وعلاقتها بقاعدة المصالح والمفاسد (2) سياسة الإخوان المركَّبَة وكيف تؤدي إلى تصفير المكاسب!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ثالثًا: كثيرًا ما يرغب الطرف الآخر في إيقاف الصراع في منتصفه لسبب أو لآخر، ولكن غالبًا ما يرفض الإخوان كل المحاولات؛ إلا أن يرضخ الطرف الآخر لكل طلباتهم، والطرف الآخر باستثناء وضع حماس مع الكيان الصهيوني يكون رئيسًا وممكَّنًا، بل أحيانًا ما يكون محبوبًا من شعبه، فتقضي على كل محاولات إيقاف النزيف، ولا يستجاب لها إلا مع وقوع المآسي وسقوط الضحايا!

رابعًا: في جوِّ المواجهات يُخْرِج الإخوان من كلام الأستاذ سيد قطب، ويجعلونه هو الأصل مفسرين إياه على أخطر ما يمكن أن يفسَّر به، وقد يُخْرِج بعضهم من كلام الأستاذ البنا ما يفيد ذلك أو يدندن حول إنشاء البنا للتنظيم الخاص، والذي يروي الإخوان له روايتين: رواية عندما يريدون السِّلْم، فيقولون: إن هذا التنظيم كان موجهًا للإنجليز بينما لم يهتم هذا التنظيم إلا باغتيال النقراشي باشا! ويقال: إنه شارك في حريق القاهرة.

والرواية الثانية حينما يريدون العنف؛ فيقولون: الأستاذ البنا قرَّر أن القوة خيار ليس هو أول الاختيارات.

ويلهث مَن ينتسبون للعلم الشرعي في الجماعة، بل من المتعاونين معها؛ فعندما تقرر الجماعة استعمال الرخص -المشروع منها وغير المشروع-، تنطلق الفتاوى؛ لتؤكد سماحة الإسلام، وأن المخالفين متزمتون ضيقو الأفق؛ حنابلة كانوا أو تيميين أو وهابيين، أو نشأوا على فقه البداوة!

ثم عندما تقرِّر الجماعة المواجهة؛ فتنطلق الفتاوى لتنكر مبدأ وجوب مراعاة المصالح والمفاسد مطلقًا، أو -على الأقل- في الواقعة التي هم فيها، أو ترفع شعارات المواجهة والجهاد، وأن المتشكك في انتصار الإخوان في هذا الموقف فهو شاك في قدرة الله.

راجع في ذلك:

- كلام الشيخ محمد حسن الددو في إنكار وجود مراعاة للمصالح والمفاسد في جهاد الدفع (ثم هو نفسه يبارك الهدنة، والتي لو صَحَّ كلامه الأول للزم أن تكون غير مشروعة!).

- كلام دكتور وصفي أبو زيد في الردِّ على دكتور سلمان الداية في شأن قرارات قتالية لحماس.

- كلام الشيخ فوزي السعيد -عفا الله عنه- في أن مَن يشك في عودة الدكتور مرسي؛ فهو يشك في قدرة الله، مع إفتائه الناس أن تحلف على ذلك بالطلاق!

- بعضهم قال هذا على هزيمة منتخب مصر في مباراة بعد 3-7-2013م؛ فأقسم أن المنتخب المصري لو فاز لتشكك في عدالة قضيته!

خامسًا: غالبًا ما لا تستمر المواجهة إلى ما لا نهاية؛ فبعد سقوط ضحايا، وبعد تشوه أفكار أقوام و... يعود الإخوان إلى المربع صفر.

هذه قصة الإخوان، وجماعة الجهاد المصرية، والقاعدة، إلخ، والحل سهل ميسور؛ وهو: ضبط قضية المصالح والمفاسد ضبطًا تأصيليًّا شرعيًّا، وتقبُّل النصيحة في حينها، وعدم تخوين الناصحين للتأكد في كلِّ مرحلة أنهم لا يترخصون بغير رخصة، فيدخلون في موالاة الكفار لإثبات حسن النوايا، والخلط بين البر والإقساط، وبين الولاء والبراء، وغيرها من الأمثلة التي سبق ذكرها، ودراسة مسائل الإيمان والكفر دراسة منضبطة؛ فلم يعد كتاب: "دعاة لا قضاة" يكفي، مع كثرة الشبهات التي تتولد كل يوم، ومع استعارة الإخوان لشبهات كلِّ اتجاهات التكفير في فترات المواجهة؛ بحيث يمكن أن تجد الشخص الواحد يجمع بين بعض فتاوى الغلو التي قال بها بعض علماء الدعوة الوهابية وكلام المودودي، وكلام سيد قطب، وما أضافه منظِّرو الجهاد الجدد!

فضلًا أن الجماعة كانت قد حذفت كتاب: "دعاة لا قضاة" من منهج الأُسَر؛ بدعوى أنه ينبغي أن تدرس الأسر رسائل حسن البنا فقط!

كما يحتاج الأمر إلى دراسة فقه الجهاد وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع بيان أثر قضية المصالح والمفاسد، ومراعاة المآلات في هذين البابين على وجه الخصوص.

وبدون هذا فستبقى سياسة الإخوان: تبدأ شديدة المسالمة، شديدة الترخص، ثم تتنقل فجأة إلى مربع الصدام الذي تغذيه أوهام؛ أنها بعينها معها وعود النصر، ومِن ثَمَّ تستهين بدماء مَن يقدِّمون قربانًا لهذه القرارات؛ لا سيما إذا كان من غيرهم ممَّن تكرس الرسائل الإخوانية نظرة دونية إليهم باعتبار أن إيمانهم دون إيمان الإخوان، بل إن إيمانهم في قلوبهم كالجثة الهامدة على حدِّ وصف الأستاذ البنا -رحمه الله-!

بل حتى لو أدَّت تلك المواجهات إلى سقوط ضحايا من الدائرة شديدة القرب من متخذ القرار فستبقى ثقته في النصر (بناءً على تفسير غير منضبط لوعود الله -تعالى- بنصر الإسلام بصفة عامة) دافعًا للاستمرار!

نسأل الله أن يهدي جميع المسلمين إلى ما يحب ويرضى.

الصفحة السابقة