شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (16) (الإيثار) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . وفي رواية: ( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .

من مكارم الأخلاق المنشودة، ومن أرقى الخصال الإسلامية المحبوبة إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-: "الإيثار": قال -تعالى-: ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر: 9) ، وذلك لأن نفوسنا مجبولة على الأثرة، لا على الإيثار.

تعريف الإيثار:

الإيثار لغةً: مصدر آثر يُؤْثِر إيثارًا، بمعنى التقديم والاختيار والاختصاص، فآثره إيثارًا اختاره وفضله، ويقال: آثره على نفسه. (المعجم الوسيط) .

الإيثار اصطلاحًا: أن يقدِّم غيره على نفسه في النفع له، والدفع عنه، وهو النهاية في الأخوة. (التعريفات للجرجاني).

حاجتنا إلى إحياء هذا الخلق الراقي:

نحتاج إلى إحياء هذا الخلق الراقي الذي يكاد يندثر بين الناس؛ لا سيما في زمان الشح والطمع الذي ساد.

(1) شواهد الإيثار في القرآن والسنة:

جعل الله -تعالى- الإيثار من أعظم صفات أهل المدينة (الأنصار): قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الحشر: 9) . قال ابن كثير: "أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك" (تفسير القرآن العظيم لابن كثير) .

وجعل الله -تعالى- الإيثار من أبواب الإيمان العظيمة التي هي دليل على صدقه: قال -تعالى-: ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) (البقرة: 177) . قال المفسرون: ( وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ )، "مع حبه واشتهائه والرغبة فيه"، وقال -تعالى-: ( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (آل عمران: 92) .

ورغب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإيثار، وبيَّن أنه أعظم أنواع الإنفاق على الإطلاق: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: ( أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ ‌صَحِيحٌ ‌شَحِيحٌ ‌تَخْشَى ‌الْفَقْرَ، ‌وَتَأْمُلُ ‌الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ ) (متفق عليه) . قال ابن بطال: "فيه أن أعمال البر كلما صعبت، كان أجرها أعظم".

الإيثار يحيي التكافل بين المسلمين: عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ ‌إِذَا ‌أَرْمَلُوا ‌فِي ‌الْغَزْوِ، ‌أَوْ ‌قَلَّ ‌طَعَامُ ‌عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ) (متفق عليه) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( طَعَامُ ‌الاِثْنَيْنِ ‌كَافِي ‌الثَّلَاثَةِ، ‌وَطَعَامُ ‌الثَّلَاثَةِ ‌كَافِي ‌الْأَرْبَعَةِ ) (متفق عليه) ، وفي لفظ لمسلم: ( طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ ). قال المهلب: "والمراد بهذه الأحاديث: الحض على المكارمة في الأكل، والمواساة والإيثار على النفس" (عمدة القاري للعيني) .

(2) نماذج في الإيثار (1)(2) :

عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِيَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، ‌إِنِّي ‌نَسَجْتُ ‌هَذِهِ ‌بِيَدِي ‌أَكْسُوكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْسُنِيهَا. فَقَالَ: ( نَعَمْ )، فَجَلَسَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. (رواه البخاري) .

الصفحة التالية