الوحدة الإسلامية في مواجهة إملاءات "ترامب" بشأن غزة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
لقد كان الموقف المصريُّ واضحًا وحاسمًا، ولم تكتفِ مصر بهذا، بل قدَّمت خطةً لإعادة تعمير غزة في خمس سنواتٍ، ونحن على يقين أن رجال القوات المسلحة -بعون الله تعالى- يقدرون أن يضغطوا هذه الفترة بمعاونة الشركات المدنية في مصر، والتعاون مع الأشقاء في غزة.
وأن مصرَ قادرةٌ -بينما هي تعيد البناء- أن توفِّر خيام إيواءٍ تحقق قدرًا مناسبًا من متطلبات الحياة.
وبهذا الجد والاجتهاد، مع الصبر والمصابرة من إخواننا في غزة، لا نحتاج إلى أي خططٍ بديلةٍ لو كان دافعها الشفقة -كما يدعي ترامب!-.
ثالثًا: موقف دولة الأردن، والذي لم يختلف -بفضل الله- عن موقف مصر في رفض تهجير الفلسطينيين تحت أيِّ مسمًّى.
رابعًا: موقف السعودية؛ لأن الكثيرين قالوا: إن ترامب ربما يعوِّل على الخلاف بين السعودية وحركة حماس، ولكن السعودية أيضًا تصرفت كما تصرفت مصر من قبل، كدولةٍ عربيةٍ كبرى عليها مسئولياتٌ تجاه الأمة ككلٍّ، وجاء بيانها الأخير ليقطع الطريق أمام التكهنات.
خامسًا: ومن قبل بيان الخارجية السعودية، خرج البيان العربي المشترك الذي أكَّد على هذه الثوابت.
سادسًا: نناشد حركة حماس: دراسة الموقف جدِّيًا، وتقدير الدور الذي تلعبه كل الدول العربية في صالح القضية الفلسطينية، وقيادة الأمور في اتجاه إبراز المعاناة التي يعيشها الغزاويون؛ كما أعلنوا قبل أيامٍ: "غزة منطقة منكوبة"؛ فحسابات المصالح والمفاسد في هذه المرحلة في غاية الدقة .
ومن العجيب: أن ترامب قد تعمَّد التوقيع على خطة عقوبات ضد إيران لإجبارها على توقيع اتفاقٍ نووي وأتبعه بتصريح غير "ترامبي" بالمرة، بل تصريح صادر من قاموس الحوار السياسي: أنه يتمنى أن تتجه إيران إلى توقيع اتفاق نووي، وأنه لا يفضِّل الوصول إلى تطبيق عقوبات.
وهذا له أحد احتمالين:
الأول: أن ترامب يرسل رسالة إلى بلاد الخليج، خاصة السعودية، أنهم إن لم يساعدوه في تهجير أهل غزة، فسوف يدعم إيران.
الثاني: أن مستشاري ترامب أخبروه أنه لا يمكن أن يخسر العرب وإيران في وقت لاحق، وأن هذا قد يعرقل مصالح إستراتيجية كبرى لأمريكا، من أهونها إمدادات البترول والغاز.
وعلى كلٍّ من الاحتمالين، فسيكون هذا دليلًا على أن أمريكا، وإن كانت القوة العسكرية الأولى في العالم؛ إلا أن لديها توازناتٍ، وهي توازنات معلومةٌ ومعروفةٌ، ومارسها كل رؤساء أمريكا.
والأهم: أن هذه التوازنات باقيةٌ موجودةٌ في رأس ترامب، "وإن كان كلامه يوحي بأنه ليس عنده حسابات"، أو -على الأقل- عند مستشاريه.
وفي النهاية: هذا يعني أن بلاد السُّنة تستطيع أن تجبر ترامب، أو -على الأقل- مستشاري ترامب، أو منافسي ترامب، على إعادة الحسابات.
وسيبقى اختبارٌ جديدٌ لإيران: هل ستقبل الترضية المنفردة، وتتعامل مع قضية تهجير غزة وكأنها نقل سكان أمريكيين من ولايةٍ لأخرى، أم تقبل الترضية المنفردة، وتكتفي بإدانة باهتةٍ لعملية التهجير؟
أم تُثبِت -ولو لمرةٍ-: أن الشيعة وإن كانوا يكرهون السُّنة؛ إلا أنهم يمكن أن "يجاملوهم" مجاملةً ذات قيمةٍ، ويقولوا لخصومهم: لا نقبل رشوة الترضية المنفردة، بينما أنت تقضم قطعة من بلاد المسلمين؛ لا سيما أن هذه القضمة تمهِّد لهضم القدس التي ما تفتأ إيران تزعم أنها تجعلها على رأس أولوياتها!
عمومًا، لا بأس أن يشمل التحرك العربي الضغط الدبلوماسي على إيران أن تأخذ موقفًا لا يضعف الإجماع الإسلامي على رفض إملاءات ترامب.
وبالتوكل على الله -تعالى-، وتوحيد الموقف العربي والإسلامي، والحشد الدولي لرفض هذه الاقتراحات، والإصرار على الرفض "فقط الرفض ثم الرفض ثم الرفض" مع عدم التورط في إشعال الموقف على الأرض، والشروع في رفع الأنقاض وإعادة البناء ولو بأيسر الأدوات، وإدخال الخيام والكرفانات؛ بإذن الله تمر بذلك هذه الأزمة؛ لأن الطرف الثاني ينتظر منا: إما الرضوخ تحت وطأة الإلحاح، أو التهور؛ ليعطي ذريعةً لإشعال الموقف، ولو تجنبنا الأمرين، فسوف تنتهي هذه الأمور -بإذن الله تعالى-.
ونحن في شهر شعبان، وعلى أعتاب شهر رمضان؛ فليهْرَعِ المسلمون إلى سلاح الدعاء، مستجيرين بالله.
اللهم يا منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم.
اللهم احفظ القدس وغزة، وكل فلسطين، وكل بلاد المسلمين.
اللهم اجعل مصر دائمًا ذخرًا للعرب والمسلمين. اللهم آمين.
