شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الخيارات العربية أمام التطلعات الشعبوية لترامب

أحمد الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

منذ أن نجح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية عام 2024، تعهد أنه فور توليه منصبه بشكل رسمي سيعمل على إيقاف الحرب في الشرق الأوسط، وإلا فسوف يشعل الشرق الأوسط بنيران لم يرها أحد من قبل. وما هي إلا أيام واندلعت حرائق ضخمة في غابات كاليفورنيا أتت على الأخضر واليابس، ووقف الحكومة الأمريكية وكل أجهزتها عاجزين عن إطفاء هذه الحرائق المدمرة التي لم تشهد أمريكا لها مثيلًا قبل ذلك، وكأنها رسالة لذلك الطاغية أن يبصر حقيقة نفسه، وألا يتمادى في الغرور؛ فيأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

ثم فوجئ العالم أن إسرائيل قبلت بالصفقة التي ظلت ترفضها عبر 15 شهرًا من الحرب، حتى باءت فيها كل محاولات الوسطاء بالفشل. وبالفعل قبلت إسرائيل بصفقة متعددة المراحل، ونصتِ الصفقة على انسحابها من قطاع غزة، ومن محور فيلاديلفيا، وغيرها من مناطق القطاع، واستلمت مصر إدارة القطاع لتمهد الطريق أمام عودة السكان إلى أماكنهم التي هُجروا منها، خاصة سكان الشمال.

ولأن "الحداية لا تحدف كتاكيت!" -كما يقول المثل الشعبي-؛ فقد فوجئ العالم أيضًا: أن ترامب يتحدث عن ضرورة مغادرة سكان أهل غزة إلى مصر والأردن؛ لأن القطاع لم يعد فيه مقومات الحياة الطبيعية، وأنه لا بد من إعمار غزة وإعادة بنائها، وهذا يستلزم مغادرة أهلها (بصورة مؤقتة) لحين إنهاء الإعمار. ومع الرفض المصري الأردني للمقترح الترامبي، ظهر ترامب في لقاءات مع الإعلاميين معبرًا عن أنه واثق من أن الأردن ومصر سيقبلان في نهاية المطاف، وأن هناك دولًا ترفض في البداية، لكنها توافق بعد ذلك.

ثم ظهر ترامب بصورة أكثر صراحة؛ ليفصح أن مخطط التهجير الهدف منه احتلال أمريكا لغزة وإعادة إعمارها وتحويلها لمدينة سياحية جميلة تحت الإدارة الأمريكية مباشرة؛ بما يعد عودة لعصور الاحتلال والاستعمار الصريح، مع ضرب القانون الدولي في عرض الحائط. ثم طور ترامب من هجومه ليشمل السعودية، وأنها يلزمها هي الأخرى أن تستضيف الفلسطينيين، وأن تقيم لهم دولة على أرضها. وهذا السخف الترامبي فجر موجة حادة من الغضب العربي تجاه هذه التصريحات غير المسؤولة، وأصدرت الخارجية المصرية بيانًا حاد اللهجة ترد فيه على هذيان ترامب، وتؤكد على أن أمن المملكة خط أحمر، وأن أمنها من أمن مصر، وأنها لن تتوانى في الدفاع عنها إذا تعرضت للخطر.

هذا ملخص أحداث الأيام الماضية منذ تولي ترامب منصبه بشكل رسمي في نهاية شهر يناير 2025؛ فما خلفية ترامب الأيديولوجية؟ وما دوافعه لتوسيع دائرة خصومه بهذا الشكل السريع، وما هو الواجب على العرب فعله تجاه هذه التجاوزات الترامبية؟

تعريف الشعبوية:

يشير مصطلح الشعبوية إلى أولئك الأفراد الذين يدعون أنهم يتحدثون نيابة عن الشعب، ويعارضون النُّخَب الفاسدة، ويناهضون كافة أشكال التنظيم المؤسسي المجتمعي. وهو يشير إلى نزعات جانحة إلى الغوغائية والفوضوية في التفكير السياسي.

والجدير بالذكر: أن الشعبوية تجد حاضنتها الأساسية في أوساط اليمين المتطرف؛ لذلك عادة ما يكون الشعبوي يمينيًّا متطرفًا. ويعتبر المحللون أن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يجسد النموذج الحرفي للشعبوية.

مفردات الشعبوية الأمريكية في عهد ترامب:

1- الثقة في القيادة ذات الصفات العظيمة.

2- اتهام النخب الفاسدة بخيانة مصالح الشعب.

3- التعصب للعرق الأبيض واعتقاد سموه وتحضره.

4- السلوك العدائي تجاه المهاجرين والأجانب.

5- إظهار الكراهية الشديدة للإسلام والإصابة بالإسلاموفوبيا.

6- اعتبار الإنجيلية مكونًا أساسيًّا من الفكر الشعبوي.

معالم سياسة ترامب الخارجية في الفترة الأولى من ولايته:

1- الموقف العنيف من المكسيك؛ لأن الواردات المكسيكية الرخيصة من القطاع الزراعي تسببت في إيذاء مزارعي الولايات المتحدة الأمريكية؛ بالإضافة إلى حزمة أخرى من الملاحظات التي تخص العلاقة التجارية بين البلدين.

2- الموقف العدائي من كندا لرفض كندا استيراد الحليب الأمريكي المعالج بالهرمونات؛ بالإضافة للسياسة الكندية في استرضاء الانفصاليين في كيبيك.

3- الحرب التجارية مع الصين بوضع تعريفات جمركية على سلع مختارة، وتقييد الاستثمار الصيني في التكنولوجيا الأمريكية الحساسة.

4- الحملة الشرسة ضد الكاثوليك الإيرلنديين والصينيين على الأراضي الأمريكية.

5- محاولة شراء جرينلاند من الدنمارك؛ لأن مساحتها كبيرة، وأنه يرى كمطور عقاري أن هذا الكيان العملاق لا بد أن يكون جزءًا من الولايات المتحدة الأمريكية.

6- محاولة حظر المسلمين من دخول الولايات المتحدة الأمريكية ومهاجمة الشريعة الإسلامية.

7- العلاقات المتينة والعميقة مع الصهاينة وإسرائيل، ويكفي أن إدارة ترامب في الفترة الأولى أفرزت أربعة قرارات غاية في الخطورة، وهي: نقل السفارة الأمريكية للقدس - الاعتراف بالجولان كجزء من إسرائيل - اتفاقية السلام من أجل الازدهار (صفقة القرن، ولكنها تعثرت) - الاتفاقات الإبراهيمية (التطبيع مع إسرائيل، ولكنه لم يكتمل).

8- النظر إلى التحالفات والقواعد العسكرية الموجودة في أنحاء العالم باعتبارها عبئًا اقتصاديًّا وهدية مجانية من بلاده.

9- الانسحاب من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ والصدام مع المحكمة الجنائية الدولية.

10- حالة من الود والوفاق والتناغم بين ترامب وبوتين وتأييد ترامب لاحتلال روسيا لجزيرة القرم.

ملامح شخصية ترامب -كما ظهرت في حواراته وتصريحاته-:

تتسم شخصية ترامب بعدة سمات ظاهرة:

(1) أنه على درجة عالية من التعظيم المبالغ فيه لشخصه؛ حتى إنه وصف نفسه بأن لديه "عقل كبير جدًّا جدًّا" - "لا أحد يقرأ الإنجيل أكثر مني" - "هل يوجد من يعرف التقاضي أكثر من ترامب؟" - "أنا عبقري" - "أنا أذكى من قادة الجيش جميعًا ولن أحتاج لمشورتهم ولا لتقارير المخابرات"، وكل هذه العبارات قفزت في خطاباته المعلنة على مرأى ومسمع من الجميع.

(2) التقلب المفاجئ في عملية صنع القرار.

الصفحة التالية