شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (18) (الورع) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

3- الورع في العلم والفتوى: قال -تعالى-: ( وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) (الإسراء:36) ، وقال -تعالى-: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ) (النحل:116) . روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول". وقال أبو حصين الأسدي: "إن أحدكم ليفتي في المسألة، ولو وردت على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لجمع لها أهل بدر!". وسئل مالك في مسألة فقال: "لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة، فغضب، وقال: "ليس في العلم شيء خفيف؛ أما سمعت قول الله: ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) (المزمل: 5) (جامع بيان العلم وفضله، وآداب الفتوى والمفتي والمستفتي) .

(3) من فضائل الورع :

1- أنَّ الوَرَع عاصِمٌ من الوقوع في المعاصي: قالت عائشةُ -رضي الله عنها- في شأنِ حادثة الإفك: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: ( يَا زَيْنَبُ، مَاذَا عَلِمْتِ، أَوْ رَأَيْتِ ) فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: ‌وَهِيَ ‌الَّتِي ‌كَانَتْ ‌تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ (متفق عليه) . وقال الحسَنُ البصريُّ -رحمه الله-: "مَا زَالَت التَّقْوَى بالمُتَّقين حَتَّى تَرَكُوا كثيرًا من الْحَلَال؛ مَخَافَة الْحَرَام".

2- الورع مِنْ أعلى مراتبِ العبادة والإيمان: قال النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا ‌أَبَا ‌هُرَيْرَةَ ‌كُنْ ‌وَرِعًا، ‌تَكُنْ ‌أَعْبَدَ ‌النَّاسِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌فَضْلُ ‌الْعِلْم ‌أحَبُّ ‌إِليَّ ‌مِنْ ‌فَضْلِ ‌الْعِبَادَةِ، ‌وَخَيْرُ ‌دِينِكُمُ ‌الْوَرَعُ ) (رواه البزار والحاكم، وصححه الألباني) .

3- الورع سبب التَّعْوِيضُ بالخير في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌إِنَّكَ ‌لَنْ ‌تَدَعَ ‌شَيْئًا ‌لِلَّهِ، إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) (1) .

(4) نماذج في الورع:

- ورع معلِّم البشرية -صلى الله عليه وسلم-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا ) (متفق عليه) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، أَخَذَ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: بِالفَارِسِيَّةِ: ( كِخْ كِخْ، أَمَا تَعْرِفُ أَنَّا لاَ نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ) (متفق عليه) .

- ورع الصِّدِّيق -رضي الله عنه-: عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: "كَانَ ‌لِأَبِي ‌بَكْرٍ ‌غُلَامٌ ‌يُخْرِجُ ‌لَهُ ‌الْخَرَاجَ، ‌وَكَانَ ‌أَبُو ‌بَكْرٍ ‌يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الْكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ" (رواه البخاري) .

- ورع الفاروق -رضي الله عنه-: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أن عمر بن الخطاب كان فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجر به أبواه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه" (رواه البخاري) . قال عبد الله بن المبارك: "لأن أرد درهمًا واحدًا من شبهة، أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف!".

- ورع رجلين صالحين ممن كانوا قبلنا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌اشْتَرَى ‌رَجُلٌ ‌مِنْ ‌رَجُلٍ ‌عَقَارًا ‌لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) (متفق عليه) .

خاتمة:

- الورع خُلُق المتقين، ولو لم يكن له ثمرة في الدنيا إلا راحة البال، وسكون النفس، لكفى بها نعمة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ، ‌وَالْإِثْمُ ‌مَا ‌حَاكَ ‌فِي ‌نَفْسِكَ، ‌وَكَرِهْتَ ‌أَنْ ‌يَطَّلِعَ ‌عَلَيْهِ ‌النَّاسُ ) (رواه مسلم) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌البِرُّ ‌ما ‌سَكَنَتْ ‌إليه ‌النفسُ، واطْمَأنَّ إليه القلْبُ، والإثْمُ ما لَمْ تَسْكُنْ إليه النفسُ، ولَمْ يَطْمئنَّ إليه القَلْبُ، وإنْ أَفتاكَ المُفْتونَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

- حاجتنا إلى التخلق بهذا الخلق الكريم، والنهج القويم؛ لا سيما وأن أكثر الناسِ اليوم -إلاَّ من رَحِمَ اللهُ- إنما يهمه أنْ يُحقِّقَ مآرِبَه في الدنيا، وينال شهواتها وملذَّاتها دون التفاتٍ إلى الشرع.

الصفحة السابقة الصفحة التالية