مَن يتحمل المسئولية؟! (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الخطبة:
- إثارة الهمم إلى العمل لدين الله، وتحمل مسئولية ذلك.
مقدمة الخطبة:
- الوصية المادية الخاصة: تكون في الأموال والأملاك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصَى فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلا وَوَصِيَّة مَكْتُوبَة عِنْده ) (متفق عليه) .
- الوصية المعنوية العامة: وتكون فيما هو أعم من ذلك، وأعظمها الوصية بطاعة الله، ونشر دينه في الأرض، وهي وصية الأنبياء والعلماء وحملة الدين، قال الله -تعالى- عن إبراهيم وذريته: ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:131-132) .
- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ ) (رواه مسلم) ، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا ودع أصحابه في سفر وصَّاهم بدين الله فيقول: ( أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
تحمل مسئولية إقامة الدين من أخلاق المؤمنين الصادقين:
ـ تحمل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- المسئولية عند وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ساعة الوفاة: (حرب المرتدين - وقتال مانعي الزكاة).
- من أقواله -رضي الله عنه-: "أيها الناس، مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وقال: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه"، وقال: "والله لأنفذن جيش أسامة ولو تخطفتنا الطير"، وقال: "أينقص الدين وأنا حي؟!".
ـ تحمل الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه- المسئولية بعد إسلامه بلحظات: قصة إسلام الطفيل وقوله -رضي الله عنه-: "يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علمني من الإسلام ما أدعو به قومي".
ـ البكاءون يريدون تحمل المسئولية حتى ينزل فيهم قرآن: قال الله -تعالى-: ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ) (التوبة:91-92) .
الهروب من مسئولية إقامة الدين من أخلاق المنافقين:
ـ هروب المنافقين يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب: قال الله -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ) (آل عمران:166-167) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا . وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا ) (الأحزاب:12-13) .
اعتقاد أنك ليس لك دور في تحمل المسئولية من التأويلات الشيطانية:
- لو لم يكن لك تأثير ودور -ولو قليل- ما عاقب الله ورسوله الثلاثة الذين خلفوا مع أن عدد الجيش كان عشرة آلاف مقاتل! وفي رواية ابن إسحاق: كانوا ثلاثين ألف مقاتل.
- قال الله -تعالى-: ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (التوبة:118) ، وقال الله -تعالى-: ( انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (التوبة:41) .
تخلفك يهبط الهمم ويثبط الآخرين:
- قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (آل عمران:121-122) .
الأشخاص يغيبون أو يتغيرون والمنهج لا يتغير:
- دروس عظيمة على ذلك من مواقف الصحابة -رضي الله عنهم- لما أشيع خبر موت النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد تعبِّر عن تحملهم للمسئولية "ولو مات الرمز والرأس"، فالدين لا يموت لأن له من يحمله.
- أنس بن النضر -رضي الله عنه- وإنكاره على المرتبطين بالرمز دون الارتباط بالمنهج: قال: "اللهم إني أعتذر إليك مما فعل هؤلاء، وأبرأ إليك مما فعل هؤلاء"، ثم قال لإخوانه: "قوموا فموتوا على مثل ما مات عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
- الأنصاري الذي مرَّ وقال لإخوانه المنهزمين بالقعود يوم أُحد: "إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقوموا فقاتلوا عن دينكم".
كلمة الختام:
- لا تقل ذهب الرموز وهم أفضل منا، وليس في الإمكان أفضل مما كان! لا، بل من الممكن أن يكون الذي خلفهم أفضل منهم.
- مثال: خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يتولى في أصعب الظروف يوم "مؤتة" بعد مقتل القادة الثلاثة وهم أفضل منه؛ فيفتح الله به، وفيه قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ ) وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ ( حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري) .
المراجع:
"الرحيق المختوم - رياض الصالحين - حياة الصحابة".
