شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مكارم الأخلاق (19) (الصدق) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

معناه: مطابقة الأفعال للأقوال والنيات، فلا يكذب فعله قوله: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (الصف: 2، 3) . وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا... ) (متفق عليه) .

- موقف في أهمية صدق الأفعال: عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "حدثني أبي: أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: ألا تأتي ندعو الله -تعالى-، فخلوا في ناحية، فدعا سعد فقال: يا رب، إذا لقينا العدو غدًا، فلقني رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، أقاتله، ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه، حتى أقتله وآخذ سلبه. فأمن عبد الله، ثم قال: اللهم ارزقني غدًا رجلًا شديدًا بأسه، شديدًا حرده، فأقاتله، ويقاتلني، ثم يأخذني، فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت لي: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: أنت دعوته خيرًا مِن دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلق في خيط!" (صفة الصفوة لابن الجوزي) .

ثالثًا: صدق النيات والإرادات:

معناه: العزم الصادق في إرادة فعل الخيرات مع الأقوال والأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ) (متفق عليه) .

- موقف في أهمية صدق النية: عن شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ؛ فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: ( قَسَمْتُهُ لَكَ )، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: ( إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ )، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَهُوَ هُوَ؟ ) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ( صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ )، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: ( اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

رابعًا: صدق الأحوال:

معناه: مطابقة حاله الظاهر لأقواله وأفعاله ونيته (ظهور آثار الصدق على الوجه والجوارح وسائر التصرفات): عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

- موقف في أهمية صدق الأحوال: عن عتبة بن أبي سفيان قال: "خطب بلال لأخيه امرأة قرشية، فقال لأهلها: نحن مَن قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله -تعالى-، وكنا ضالين فهدانا الله -تعالى-، وكنا فقيرين فأغنانا الله -تعالى-، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله -تعالى-، وإن تردونا فالله أكبر. فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته، ومشاهده ومكانه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فزوجوا أخاه، فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك، أما كنتَ تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتترك ما عدا ذلك؟! فقال: مه يا أخي! صدقت فأنكحك الصدق" (تاريخ دمشق لابن عساكر) .

خاتمة: إشارة إلى ثمرات الصدق:

- للصدق ثمرات كثيرة وجميلة تحتاج إلى حديثٍ منفصلٍ نجملها في عبارة وإشارة؛ وهي: (تحقيق العبودية لله - نيل الثناء عند الله وعند الصالحين - بركة وتوفيق في العمر والرزق - علو قدر ومنزلة في القلوب - راحة نفسية وطمأنينة)، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال كعب بن مالك في سياق قصة توبته: "إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لاَ أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا، مَا بَقِيتُ" (متفق عليه) .

فاللهم ارزقنا الصدق في الأقوال والأعمال، وسائر الأحوال، واحشرنا مع النبيين والصديقين.

الصفحة السابقة