شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معارك حاسمة في رمضان (2)

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

وصل المعتصم عمورية بعد تدمير أنقرة بسبعة أيام، وضرب عليها الحصار، واستعمل المسلمون المنجنيق لضرب المدينة، وبالفعل تحطمت أسوارها، واستمر الحصار لمدة أسبوعين، ثم انتصر المسلمون ودخلوا المدينة واستسلم أهلها، وكان ذلك في شهر رمضان من نفس العام، وأسر المسلمون كثيرًا من أهلها، وغنموا مغانم كثيرة، وقد قام المعتصم بهدم أسوار المدينة، وأمر بعمورية فهُدِمت وأُحرقت.

ويروى أن المعتصم لما أتى عمورية وفتحها، خلَّص المرأة الهاشمية الشريفة، وقال: اشهدي لي عند جدك رسول الله أني أتيت لخلاصك (القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (3/287)، ومآثر الإنافة في معالم الخلافة (2/226) .

معركة إفراغة: (رمضان 528هـ):

إفراغة هي إحدى مدن الأندلس، وهي تقع على الضفة اليمنى لنهر سنكا، وتعد معركة إفراغة من أعظم المعارك التي وقعت على أرض الأندلس.

فبعد وفاة ألفونسو السادس ملك قشتالة الإسبانية، وهو الذي قاد معارك كثيرة ضد المسلمين، من أجل استرداد بلاد الأندلس، تولى بعده ألفونسو المحارب، ملك أرغون الإسبانية -إحدى الممالك النصرانية-، وهو الذي قام باستكمال حروب الاسترداد المقدسة، التي تهدف إلى إعادة حكم الإسبان على شبه الجزيرة الإيبرية، وكان أهم ما يشغله هو الاستيلاء على ما بقي من قواعد الثغر الأعلى، وإجلاء المسلمين عنها.

لقد سقطت مدينة سَرَقُسْطَة في شهر صفر عام (512هـ / 1118م)، وطوقتها قوات كثيفة من الفرنج والأرجونيين، والبشكنس والقطلان وغيرهم، واستمر حصار سرقسطة سبعة أشهر، وقد عانى أهل سرقسطة من ويلات الحصار داخل الأسوار، وعجز المرابطون عن الدفاع عن المدينة حتى سقطت في النهاية.

ثم حدد ألفونسو المحارب هدفًا جديدًا، وهو الاستيلاء على مدينة طرطوشة، على الساحل الشرقي للأندلس، واشترك في هذه الحملة كثير من الأشراف والفرسان الفرنسيين.

وبدأ ألفونسو بالزحف على مدينة مكناسة، الواقعة عند ملتقى نهري: سجرى وإبرة، وهي قاعدة حصينة، ولكن الدفاع عنها لم يكن سهلًا، حيث إنها تقع في سهل مكشوف، وبعد عدة هجمات نصرانية، ومقاومة عنيفة من المسلمين، سقطت مدينة مكناسة، أواخر عام 527هـ.

وبدأ الزحف النصراني بقيادة ألفونسو المحارب نحو إفراغة، وكانت إفراغة تتمتع بموقع حصين، تصعب مهاجمته، ويسهل الدفاع عنه، وهنا أيقن المرابطون أن المعركة الحاسمة بينهم وبين النصارى في الثغر الأعلى، أضحت على وشك الوقوع.

ولذلك عقدوا صلحًا مع أمير برشلونة رامون برنجير الثالث، خوفًا من أن يهاجمهم، على أن يدفعوا له 12 ألف دينار سنويًّا.

وصل ألفونسو المحارب بقواته إلى إفراغة، وضرب حولها الحصار، واتحد قادة المرابطين، وتحركوا من كل صوب على رأس حملات عسكرية من أجل موقعة الحسم، وقام أهل إفراغة وحاميتها العسكرية بالدفاع عن المدينة، وذلك بقيادة والي المدينة سعد بن محمد بن مردنيش، ومن شدة المقاومة، اضطر ألفونسو المحارب أن يرفع الحصار غير مرة، ثم يعود إليه، وأقسم ألفونسو تحت أسوار إفراغة، على أن يفتحها أو يموت دونها، وأمر ألفونسو كذلك أن يؤتى برفات القديسين إلى المعسكر، إذكاءً لحماسة الجند، وأن يتولى الأساقفة والرهبان قيادة الصفوف، فهي معركة الحسم.

وصلت الجيوش المرابطية إلى إفراغة، وسرعان ما نشبت الموقعة الحاسمة بين المسلمين والنصارى، تحت أسوار إفراغة، وهي من أشد وأعنف، مما عرف في تاريخ المعارك الحاسمة في الثغر الأعلى.

وتقدر الرواية الإسلامية قوات المرابطين بنحو ثلاثة آلاف فارس، وتقدرهم الرواية النصرانية بعشرة آلاف فارس. وأما الجيش النصراني، فتقدره الرواية الإسلامية باثني عشر ألف فارس. فالقوات النصرانية كانت تتفوق في الكثرة على المسلمين. ووقع بين الفريقين قتال شديد مروع، وأبدى المسلمون ضروبًا رائعة من البراعة والبسالة والشجاعة والصمود، وخرج أهل إفراغة، فانقضوا على النصارى من الخلف، فاشتد الأمر على النصارى، وكثر القتل فيهم، وقتل عدد كبير من القادة والأكابر، ومزقت صفوفهم، وأصيبوا بهزيمة ساحقة، واستولى المسلمون على عتادهم وسلاحهم.

كان هذا النصر العظيم يوم 23 رمضان عام 528هـ، وقد كان لنصر المرابطين في إفراغة، صدى عميق في سائر أرجاء الأندلس، وعادت سمعة المرابطين العسكرية، إلى سابق مكانتها في شبه الجزيرة (راجع: ابن الأثير: الكامل في التاريخ، الحِميرى: الروض المعطار، محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس) .

الصفحة السابقة