شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ) أي: يوم بدر، وكان يوم جمعة، وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فارسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة ليس معهم من العدة جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيل المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله؛ ولهذا قال -تعالى- ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) أي: قليل عددكم، ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدة). قوله -تعالى-: ( فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي: تقومون بطاعته.

- وقوله -تعالى-: ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين. أحدهما: أن قوله -تعالى-: ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) متعلق بقوله: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ )، روي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم واختاره ابن جرير). فعن الحسن قال: (هذا يوم بدر) رواه ابن أبي حاتم. وعن عامر الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله -تعالى-: ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - مُسَوِّمِينَ )، قال: فبلغت كرز الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة".

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )؟

فالجواب: إن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: ( مُرْدِفِينَ ) بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخرى مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو معروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، ولله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة: أمد الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف. القول الثاني: أن هذا الوعد متعلق بقوله: ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ) وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا لم يحصل الإمداد بالخمسة آلاف؛ لأن المسلمين فروا يومئذٍ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة آلاف لقوله -تعالى-: ( إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ) فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد.

وقوله: ( بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ) يعني تصبروا على مصابرة عدوكم وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله -تعالى-: ( وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا ) قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههِم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا. ويقال: من غضبهم هذا".

وقوله -تعالى-: ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) أي: معلمين بالسيما.

وقوله -تعالى-: ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال -تعالى- بعد أمره المؤمنين بالقتال: ( ذَلِكَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ )، ولهذا قال هاهنا ( وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) أي: هو ذو العزة الذي لا تُرام، والحكمة في قدره والإحكام. ثم قال -تعالى-: ( لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) أي: أمركم بالجهاد والجلاد؛ لما في ذلك من الحكمة في كل تقدير؛ ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين فقال: ( لِيَقْطَعَ طَرَفًا ) أي: ليهلك أمة ( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ ) أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا، ولهذا قال ( أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا ) أي: يرجعوا ( خَائِبِينَ ) أي: لم يحصلوا على ما أمَّلوا".

- وقال -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ) (آل عمران: 12، 13) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية