شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وثيقة المدينة مع اليهود ملامح ومعالم (2) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ويؤكد هذا أن مَن قال بالنسخ مِن السلف قال: "إن آية السلف نسخت كل موادَعة ومصالَحة"، ومعلوم أن عامة العلماء على مشروعية الهدنة المؤقتة لعشر سنين، وخلافهم فيما زاد عليها، مع أن المانعين مِن الزيادة لا يمنعون منها أو مِن الصلح المطلق عند الحاجة إلى ذلك؛ هذا يدل على أنه لم يقصدوا النسخ الاصطلاحي.

قال القرطبي -رحمه الله-: "قال ابن العربي: قد قال الله -تعالى-: ( فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ) (محمد:35) ، فإذا كان المسلمون على عِزّةٍ ومَنَعة وجماعة عديدة وشِدّةٍ شديدة فلا صُلْح، وإن كان للمسلمين مصلحةٌ في الصلح لِنَفْعٍ يجتلبونه أو ضررٍ يدفعونه فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالَحَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهلَ خَيْبَر على شروطٍ نقَضوها فنقَض صُلحَهم (يعني قبل فتح خَيْبَر)، وقد صالَح الضمريّ وأكيدر دومة وأهل نجران، وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، ومازالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة... وقال الشافعي -رحمه الله-: لا تجوز مهادنة المشركين أكثر مِن عشر سنين على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية، فإن هودِن المشركون أكثر مِن ذلك فهي منتَقَضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية. وقال ابن حبيب من المالكية: تجوز مهادنتهم السنَةَ والسنتين والثلاث، وإلى غير مُدّة" (تفسير القرطبي باختصار) .

مع أن هذا النقل عن الشافعي -رحمه الله- في عدم الجواز على الزيادة على عشر سنين، يوضِّحه ما نقله ابن حجر -رحمه الله- عنه، مِن أن ذلك إنما هو في حالٍ دون حال، ووقتٍ دون وقت.

قال ابن حجر -رحمه الله-: "قال الشافعي: إِذَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ جَازَتْ لَهُمْ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يُعْطُونَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ لِلْمُسْلِمِينَ شَهَادَةٌ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُعْطَى الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يُكَفُّوا عَنْهُمْ إِلَّا فِي حَالَةِ مَخَافَةِ اصْطِلَامِ الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الضَّرُورَاتِ، وَكَذَلِكَ إِذَا أُسِرَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَلَمْ يُطْلَقْ إِلَّا بِفِدْيَةٍ جَازَ" (فتح الباري، 7/ 198).

ومثل هذا أيضًا ما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- حيث قال: "لا يجوز المهادنة مطلقًا مِن غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية". قال: "وتجوز مهادنتهم على غير مالٍ، وأما إن صالَحَهم على مالٍ نبذُلُه لهم فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صَغَارًا على المسلمين، وهذا محمول على غير حالة الضرورة، فأما إذا دعت إليه الضرورة -وهو أن يُخاف على المسلمين الهلاك أو الأَسْر- فيجوز؛ ولأن بذل المال وإن كان فيه صَغَارٌ فإنه يجوز تحمُّله لدفع صَغَارٍ أعظم منه، وهو القتل والأَسْر وسبي الذُرّية الذين يفضي سَبيُهم إلى كُفرهم" (المُغني، 8/ 459-461) .

قال الشيباني -رحمه الله-: "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادَعَتهم، فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالاً؛ فلا بأس بذلك عند تحقّق الضرورة" (السِّيَر الكبير، 16/ 92) .

إذا تبيَّن لكَ ذلك علمتَ بجلاء أنه إذا كانت أقوال العلماء في المستضعف أنه يعمل بآيات الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله مِن الذين أوتوا الكتاب والمشركين، أن هذه الآيات ليست منسوخة في حقه وحاله؛ فبالأَولى آيات المعاهدة والمصالحات -المُطْلَقة منها والمُقَدَّرة بمُدّة- فهي ليست منسوخة، بل مخصّصة بأوقاتٍ وأحوالٍ تكون المصلحة فيها كذلك.

والقدرة والعجز، والقوة والضعف، موازين لم يأتِ الشرع قط بإلغائها، مع الانتباه إلى أن العهود المطلقة عقودٌ جائزة، خلافَ عقد الذمة فإنه عقدٌ مُؤَبَّد، أي: متوارثٌ مِن جيل إلى جيل مِن أجيال الكفار، لا يَحِل للمسلمين إلغاؤه، طالما بذل الكفار شروطه والتزموا بها، وأن ما ذكره العلماء المانعون مِن العهد المطلَق إنما قصدوا به المؤَبَّد، رغم أنهم يجيزونه، وأسوأ منه عند الحاجة كما ذكرنا، يوضح ذلك أن العِلّة التي ذكروها مِن أنه يؤدي إلى ترك الجهاد بالكلية إنما قصدوا به العقد المؤبد اللازم الذي لا يجوز إنهاؤه بحال إلى نزول عيسى -صلى الله عليه وسلم- الذي يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما ثبت في الحديث المتفق على صحته، فهو الذي يُنهي تشريع عقد الذمة، فلا يقبل الجزية، أما العقد الجائز كعهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع يهود المدينة، وعهده مع يهود خيبر قبْل فتحها ثم عهده مع مَن بقي منهم بعد فتحها؛ فهو لم يلزم -ولا يلزم- منه ترك الجهاد بالكلية. والله أعلم.

هذا هو الملمح الأول في وثيقة المدينة، وهو أن العهد كان غير محدَّد المدة، والصواب جواز إنشاء هذه العقود عند الحاجة إلى ذلك، كما فعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة