شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (207) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

ويدل على صحة التفسير بأن إبراهيم -عليه السلام- أوتي رشده من قبل -أي: في صغره، ومن أول نشأته-: قوله -تعالى- في الآيات: ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ )؛ فيا أيها الشباب فرصة عظيمة أنكم قد نشأتم في هذا الدِّين -بفضل الله-، وأمامكم التزام ميسَّر بدعوة الحق، ومنهج الحق -بفضل الله-، والسُّنة -بفضل الله- ميسرة لمن طلبها، ولمن يسلك سبيل تعلمها والتزامها، فما أكثر من يعرض عن نعمة الله ولا يشكرها؛ فلا تكن من هؤلاء أيها الشاب، واعلم أن فضل الله عليك بسرعة الالتزام في أول النشأة، أو أن تنشأ في أسرة ملتزمة من أعظم ما يهيئ لك الاستمرار على الالتزام ويُهَيِّئُكَ لأنواع الخير مِن: العِلْم النافع، والعمل الصالح في مستقبل العمر؛ فإن مَن حَفِظ جوارحه لله -عز وجل- في شبابه، حفظها الله -عز وجل- عليه في آخر عمره؛ قال الله -عز وجل-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) (التين: 4-6) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما- في وصيته له: ( ‌يَا ‌غُلَامُ ‌إِنِّي ‌أُعَلِّمُكَ ‌كَلِمَاتٍ: ‌احْفَظِ ‌اللَّهَ ‌يَحْفَظْكَ، ‌احْفَظِ ‌اللَّهَ ‌تَجِدْهُ ‌تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

فبيَّن الله -تعالى- أنه آتى إبراهيم -عليه السلام- رُشْدَه، وهذا يردُّ على مَن يزعم أو مَن يفسِّر نظر إبراهيم في النجوم على أنه كان يبحث عن الله -سبحانه وتعالى-؛ فإبراهيم -عليه السلام- على الفطرة السوية المستقيمة من أول نشأته، وكيف يتسنى له أن يبحث عن الله وهو يجزم لأبيه وقومه أنهم في ضلال مُبِين؟! وإنما كان إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- مناظرًا لقومِه -كما سبق بيانه في قصة إبراهيم صلى الله عليه وسلم من سورة الأنعام-.

ومما يدل على أنه كان مناظِرًا لقومه -وليس ناظرًا في البحث عن الله-: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ( ‌لَمْ ‌يَكْذِبْ ‌إِبْرَاهِيمُ عليه السلام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللهِ... ) وذكر منها قوله عن الكوكب: ( هَذَا رَبِّي ) (الأنعام: 76) ؛ فجعله النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الكذبات؛ أي: مِن أنواع التعريض في ذات الله؛ إذًا كان ذلك إقامة للحجة، وليس أنه كان يبحث عن ربِّه -سبحانه وتعالى-.

فالله -عز وجل- عليم بإبراهيم، وهو الذي يضع الأشياء في مواضعها؛ يضع الهدى فيمَن يستحق الهدى، ويضع الشكر في الشاكرين الذين يقبلون نعمة الله -عز وجل-؛ قال -سبحانه وتعالى-: ( وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ) (الأنعام: 53) ، وقال -عز وجل-: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (القصص: 56) .

والله -عز وجل- وحده هو الذي قسَّم الأرزاق بعلمه وحكمته، وقسَّم الأخلاق كذلك، وقسَّم الأعمال والأقوال، وهو الذي يقسم رحمته؛ كلُّ ذلك بعلمه وحكمته؛ قال الله -عز وجل-: ( وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف: 31، 32) .

فالله هو الذي وضع بذر الإيمان الطيب في أرض قلوب المؤمنين الطيبة، ووضع البذر الخبيث في قلوب الخبثاء وأرضهم الفاسدة، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالظالمين، وأعلم حيث يجعل رسالته.

وهو -سبحانه وتعالى- يقسِّم فضله على عبادة المؤمنين بعلمه السابق، وبرحمته وحكمته وعدله؛ فلا يعترض عليه أحدٌ؛ فهو لا يُسأَل عما يفعل وهم يسألون؛ لأنه لا يفعل شيئًا إلا بعلمه وحكمته -سبحانه وبحمده-.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة