الوصايا النبوية (18) (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ـ ثم اتباع سنة الخلفاء الراشدين الأربعة -رضي الله عنهم-: عن سعيد بن جُمْهَانَ عن سفينة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ المُلْكَ- أَوْ مُلْكَهُ- مَنْ يَشَاءُ ) قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ لِي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ: أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرُ عَشْرًا، وَعُثْمَانُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٌّ كَذَا، قَالَ سَعِيدٌ: قُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ، قَالَ: كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ -يَعْنِي: بَنِي مَرْوَانَ-" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ـ هذا هو طريق العِصْمَةِ من الاختلاف والضلال الذي يجب على الأمة ألا تَحِيدَ عنه قيد أنملة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ).
الوصية الرابعة: التحذير من البدع:
ـ لما رَغَّبَ -صلى الله عليه وسلم- في اتباع السنن وحثَّ عليها، رَهَّبَ بعد ذلك من خِلَافِهَا، ومما يُخَالِفُهَا من البدع المُحْدَثَةِ، فقال: ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ). وقال مالك -رحمة الله-: "من أَحْدَثَ من هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سَلَفُهَا، فقد زعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة"؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3) . ثم قال: "ما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا".
وروى الإمام الدارمي -رحمه الله- بسنده، عن عمرو بن يحيى، قال: سمعت أبي، يُحَدِّثُ، عن أبيه قال: "كنا نَجْلِسُ على باب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قبل صلاة الغداة، فإذا خرج، مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- فقال: أخرجَ إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا بعد، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج، قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أرَ -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حَلَقًا جُلُوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حَصًى، فيقول: كَبِّرُوا مائةً، فيُكَبِّرُونَ مائةً، فيقول: هَلِّلُوا مائةً، فيُهَلِّلُونَ مائةً، ويقول: سَبِّحُوا مائةً، فيُسَبِّحُونَ مائةً، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: "أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وضمنت لهم ألا يَضِيعَ من حَسَنَاتِهِمْ شيء".
ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: "ما هذا الذي أراكم تَصْنَعُونَ؟" قالوا: يا أبا عبد الرحمن حَصًى نَعُدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: "فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فأنا ضامن أن لا يَضِيعَ من حَسَنَاتِكُمْ شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هَلَكَتَكُمْ هؤلاء صحابة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تُكْسَرْ، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّةِ محمد -صلى الله عليه وسلم- أو مُفْتَتِحُو باب ضلالة"، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: "وكم من مُرِيدٍ للخير لن يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ، وَايْمُ اللهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ" ثم تَوَلَّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يُطَاعِنُونَا يوم النهروان مع الخوارج. .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أين هي هذه الأمة اليوم؟ تفرَّقوا إلى سبع وخمسين دولة إسلامية، منها: اثنتان وعشرون دولة عربية؛ ولذا استضعفتهم أمم الأرض الأخرى.
