وثيقة المدينة مع اليهود.. ملامح ومعالم (3) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وَيَجُوزُ عَقْدُهَا مُطْلَقَةً، وَإِذَا كَانَتْ مُطْلَقَةً لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَكُونَ لَازِمَةَ التَّأْبِيدِ، بَلْ مَتَى شَاءَ نَقَضَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنْ تُعْقَدَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ فِيهَا الْمَصْلَحَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ قَدْ تَكُونُ فِي هَذَا، وَهَذَا.
وَلِلْعَاقِدِ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ لَازِمًا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَعْقِدَهُ جَائِزًا يُمْكِنُ فَسْخُهُ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، وَلَيْسَ هَنَا مَانِعٌ، بَلْ هَذَا قَدْ يَكُونُ هُوَ الْمَصْلَحَةَ، فَإِنَّهُ إِذَا عَقَدَ عَقْدًا إِلَى مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَقَدْ تَكُونُ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي مُحَارَبَتِهِمْ قَبْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؟!
وَعَامَّةُ عُهُودِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ كَذَلِكَ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ، جَائِزَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ، مِنْهَا عَهْدُهُ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ، مَعَ أَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَتْ، وَصَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ سُكَّانَهَا كَانُوا هُمُ الْيَهُودَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُسْلِمٌ، وَلَمْ تَكُنْ بَعْدُ نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي "بَرَاءَةٌ" عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَخَيْبَرُ فُتِحَتْ قَبْلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سَبْعٍ. وَمَعَ هَذَا، فَالْيَهُودُ كَانُوا تَحْتَ حُكْمِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّ الْعَقَارَ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: "نُقِرُّكُمْ مَا شِئْنَا"، أَوْ "مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ".
وَقَوْلُهُ: "مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ" يُفَسِّرُهُ اللَّفْظُ الْآخَرُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ: أَنَّا مَتَى شِئْنَا أَخْرَجْنَاكُمْ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا أَمَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَنْفَذَ ذَلِكَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي خِلَافَتِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ -مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ-: أَنَّ كُلَّ ذِمَّةٍ عُقِدَتْ لِلْكُفَّارِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، يُقِرُّهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُمْ أَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ، لَهُ حَظٌّ مِنَ الْفِقْهِ.
وَقَوْلُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ" أَرَادَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ إِقْرَارَكُمْ، وَقَدَّرَ ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ، أَيْ: فَإِذَا قَدَّرَ إِخْرَاجَكُمْ، بِأَنْ يُرِيدَ إِخْرَاجَكُمْ فَنُخْرِجَكُمْ، لَمْ نَكُنْ ظَالِمِينَ لَكُمْ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَنَا أُقِيمُ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا أَقَامَنِي. وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: "مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ": إِنَّا نُقِرُّكُمْ مَا أَبَاحَ اللَّهُ بِوَحْيٍ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ ذَلِكَ فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٍ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْإِقْرَارَ الْمَقْضِيَّ كَمَا قَالَ: مَا شِئْنَا" (أحكام أهل الذمة) .
وقال -رحمه الله- أيضًا: "وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- قَسَّمَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: أَهْلُ عَهْدٍ مُؤَقَّتٍ، لَهُمْ مُدَّةٌ وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِمْ لَمْ يَنْقُصُوا الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا مِمَّا شَرَطُوا لَهُمْ، وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْهِمْ أَحَدًا، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يُوفُوا لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ مَا دَامُوا كَذَلِكَ.
الثَّانِي: قَوْمٌ لَهُمْ عُهُودٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْبِذُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ، وَأَنْ يُؤَجِّلُوهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْأَشْهُرُ الْمَذْكُورَةُ حَلَّتْ لَهُمْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: قَوْمٌ لَا عُهُودَ لَهُمْ، فَمَنِ اسْتَأْمَنَ مِنْهُمْ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ أَمَّنَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَهَؤُلَاءِ يُقَاتَلُونَ مِنْ غَيْرِ تَأْجِيلٍ" (أحكام أهل الذمة) .
وَقد ردَّ الإمام ابن القيم -رحمه الله- على مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَظَنَّ أَنَّ الْعُهُودَ كُلَّهَا كَانَتْ مُؤَجَّلَةً.
ولعلنا نعرض ردوده هذه في مقالٍ قادمٍ -بإذن الله تعالى-.
