شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (210) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (6)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

جعلها الله -عز وجل- كلمة باقية؛ كلمة: "لا إله إلا الله" لا يزال في ذريته مَن يقولها؛ لم تمحَ هذه الدعوة دعوة التوحيد من ذرية إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وإن كان الشرك قد طرأ على كثيرٍ من ذريته، بل قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان الشرك قد طرأ على عامة أهل الأرض كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ‌فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ؛ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) (رواه مسلم) ، فبقي في أهل الكتاب بقايا كما دلَّ عليه الحديث، وبقي في العرب كذلك بقايا على التوحيد؛ كزيد بن عمرو بن نوفيل الذي أدركه النبي -صلى الله عليه وسلم- في شبابه، وكان لا يسجد للأوثان، ولا يأكل مما ذُبِح لها، ولا يعبد إلا الله، ولكنه لا يدري كيف يعبده؛ فكان يخر على بعيره.

فلنعرف هذا الدرس جيدًا من دروس الدعوة إلى الله؛ الذي ضيعه كثيرٌ ممن ينتسب إلى الدعوة، وممن ينتسب إلى الدِّين والعلم، وهو أن يداهن أهل الباطل، لا يصرح بباطلهم، وربما اكتفى بالتصريح ببعض الحق دون أن يبيِّن الباطل!

وفي قوله -تعالى-: ( قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ ): استدلال على توحيد الألوهية بتوحيد الربوبية، فَفَطْرُ السماوات والأرض أي: خَلْقُهن على غير مثال سابق أوضح دليل على استحقاق الرب -سبحانه وتعالى- للعبادة.

ومن معاني الرب الإله أيضًا: وإن كان ذلك ليس مشهورًا عند كثيرٍ من الناس، فإن معنى السيد الكامل السؤدد من معاني الرب: يدخل فيه معنى الإله؛ كما ذكره غير واحد من أهل اللغة، وذكروا أن الرب هو الإله، وقد كثر استدلال القرآن بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية في مواضع عديدة؛ قال -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة: 21، 22) .

وقال -سبحانه وتعالى-: ( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ . أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ . أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (النمل: 59-64) .

وكذلك قال -سبحانه وتعالى-: ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ . أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ . نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ . عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ . وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ . أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ . أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ . لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ . إِنَّا لَمُغْرَمُونَ . بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ . أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ . أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ . نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ . فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) (الواقعة: 58-74) .

فهذه الآيات كلها تذكير لربوبية الله، ومظاهر هذه الربوبية؛ للاستدلال بها على وجوب إفراده -عز وجل- بالعبادة، سبحانه وبحمده، سبحان ربنا العظيم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة