الوصايا النبوية (22) الوصية بالإكثار من الحج والعمرة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة العيدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) .
مجمل الوصية:
وَصَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بقوله: ( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ )، أي: أتبعوا أحدَهما الآخرَ، ولو تَخَلَّلَ بينهما زمانٌ، بحيث يَظْهَرُ مع ذلك الاهتمامُ بهما، ويُطْلَقُ عليه عُرفًا أنَّه رَدِفَه، وتَبِعَه؛ إذ القَصْدُ الإكثار منهما، والاهتمامُ بهما، وعدمُ الإهمالِ، فيَكُونُ الأمرُ بالمُتابعةِ بينهما للإرشادِ؛ فإنَّ ذلك -المُتابعةَ بين الحجِّ والعمرةِ- سَبَبٌ في زوالِ الفَقْرِ، وسببٌ لغُفرانِ الذُّنُوبِ.
ما المقصود بكون الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب؟
-الإكثار من الحج والعمرة يُبْعِدُ عن فاعل ذلك ذنوبَه ويُزيلها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ) (متفق عليه) . وفي حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: ( مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ ) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: ( تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ ) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: ( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ) (رواه مسلم) .
-الإكثار من الحج والعمرة يبعدان عن صاحبهما الفقر، خلافًا لما يتصوره بعض الناس: قال -تعالى-: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (سبأ: 39) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، وأباحه لكم؛ فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: ( قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )" (تفسير ابن كثير) . وقال -تعالى-: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 261) . وجاء صريحًا من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ) (رواه أحمد والبيهقي بسندٍ حسن) .
-تنبيه مهم: أعمالُ الحجِّ والعمرةِ من الطاعاتِ إنَّما تُكفِّرُ الصغائرَ؛ فأما الكبائرُ فإنَّما تُكفَّرُ بالتوبةِ أو رحمةِ اللهِ وفضلهِ.
فضل التكرير والمتابعة للحج والعمرة (1) :
-تعالوا نطالع فضل التكرير والمتابعة للحج والعمرة من خلال معنيين عظيمين؛ وهما: فضل البقعة -البلد الحرام-، وفضل رحلة الحج والعمرة.
أولًا: من فضائل البلد الحرام:
فيها أول مسجد وُجِدَ على ظهر الأرض: قال -تعالى-: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) (آل عمران: 96) .
-اختار الله مكانه بخلاف جميع المساجد: قال -تعالى-: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (الحج: 26) .
-رفع قواعده وبناه الملائكة والأنبياء: روى البيهقي في دلائل النبوة عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ فَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ، فَبَنَاهُ آدَمُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ". وقال -تعالى-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة: 127) .
-فيه آيات بينات عظيمة تتعلق بها عبادات (الحجر الأسود - زمزم - مقام إبراهيم - الملتزم): قال الله -سبحانه وتعالى-: ( فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ) (آل عمران: 97) .
-العبادة فيه لا مثيل لها (صلاة واحدة بالعمر كله): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
ثانيًا: فضل رحلة الحج والعمرة:
إنها الرحلة إلى الله تلبية لأمره، مع هجر الأوطان وبذل الأموال، وتحمل المشاق؛ طلبًا للمغفرة: قال -تعالى-: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) (الحج: 27-28) . وفي الحديث القدسي: ( انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ عَدَدَ الرَّمْلِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
