الوصايا النبوية (23) التسوية بين الأولاد في الهدية (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ )، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. (متفق عليه) . وفي لفظ مسلم: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ ) قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: ( أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ ) قَالَ: لَا، قَالَ: ( فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ).
مجمل الوصية:
في هذه الوصية يُخْبِرُ النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ الأنصاريُّ -رضيَ اللهُ عنهما- أنَّ أباه بَشيرًا قدْ أعطاهُ عَطيَّةً، أي: هِبةً، وكانت العَطيةُ غُلامًا خادمًا، سَأَلَتْه أمُّ النُّعمانِ من أبيهِ لابْنِها، ثم قالتْ -رضيَ اللهُ عنها- لِزَوجِها بَشيرٍ: لا أرْضَى بهذه العطيَّةِ حتَّى تُشهِدَ عليها رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّكَ أعْطَيتَه ذلك على سَبيلِ الهِبةِ، وغَرَضُها بذلك تَثبيتُ العَطيَّةِ؛ فذَهَبَ بَشيرٌ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ له ما صَنَعَ، وأنَّ زَوجتَه أمَرَتْه أنْ يُشهِدَه، فسَأَلَه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: هلْ أَعْطيتَ باقيَ أولادك مِثلَ ما أَعطيتَ وَلَدَك النُّعمانَ؟ فقال: لا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ )؛ وذلِكَ للتَّأليفِ بيْن الإخوةِ، وقَطْعِ مُسَبِّباتِ الشَّحْناءِ والبَغْضاءِ بيْنَهم، ولإعانَتِهم على حُسنِ بِرِّ أبيهم. فاستجابَ بَشيرٌ لأمْرِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ونَهيِهِ، فرَجعَ ورَدَّ العطيَّةَ الَّتي أعْطاها لابنِه؛ حتَّى يكونَ عادلًا بيْن أولادِه.
أشهر أسباب التفضيل بالباطل بين الأبناء في المعاملة والعطية:
البعض من الآباء قد يفضِّل بعض الأبناء على بعضهم لأسباب غير مشروعة، ومن ذلك:
1- أن يكون الابن من الجنس غير المرغوب فيه جهلًا؛ لكونه أنثى: فهو ممَّن قال الله فيهم: ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ) (النحل: 58) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (رواه مسلم) .
2- أن يكون الابن قليل الحظ من الجمال: قال -تعالى-: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف: 32) .
3- أن يكون محبوبًا دون الآخرين؛ لذكائه، أو لكثرة حركته أو قِلَّتها: فهذه كسابقتها؛ فالأمر كله من الله لحكمٍ يريدها.
4- أن يكون الابن مصابًا بعاهات جسدية ظاهرة (شلل - عرج - تخلُّف عقلي - ...)، وهذا يحتاج إلى الكثير من الحنان والمحبة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . (وماذا لو كنتَ حُرِمتَ من الأولاد؟).
5- بعضهم يبغض ولده لشبهه بمن يكرهه من القرابات: قال -تعالى-: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (فاطر: 18) .
ويقال في الجميع: قال الله -تعالى-: ( آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ) (النساء: 11) (1) .
فائدة مهمة:
لا يأثم الإنسان على المحبة القلبية (صِغَر سنٍّ - نَباهة - جمال - معاونة - ...)، لا سيما إذا كان سببها البِر والطاعة، مع الحذر من التفريق في المعاملة: ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا ) (يوسف: 8) .
وجوب العدل بين الأولاد:
- لقد أوصى الإسلام ببر الوالدين، ولو كانا كافرين: قال -تعالى-: ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (لقمان: 14، 15) .
- ولما كان عقوق الوالدين محرَّمًا، كان كل ما يؤدي إليه محرَّمًا كذلك، ومن الأمور المؤدية إلى العقوق: عدم العدل بين الأبناء في الهبة والعطية: قال النبي لبشير -صلى الله عليه وسلم-: ( فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ، فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِنْتٌ لَهُ، فَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: ( فَهَلَّا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا؟ ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني) .
وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القُبَل".
- التفضيل بين الأبناء في العطية ظلمٌ يسبب الأحقاد، ويزرع الضغائن، ويزيد الأبناء العاقّين عقوقًا وتمردًا: ففي رواية مسلم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ). قَالَ: بَلَى. قَالَ: ( فَلَا إِذًا ).
