الوصايا النبوية (24) اذكروا محاسن موتاكم (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
النَّهْيُ عن سَبِّ الأمواتِ متعلقٌ بالمسلمينَ المستورينَ، وأما الفاسقونَ منهم، والكافرونَ والمنافقونَ، فيجوزُ من بابِ التحذيرِ من حالِهم وفضحِ مَسْلَكِهِمْ وطَرِيقِهِمْ: وعن أَنَسٍ -رضي اللهُ عنه-، قال: مَرُّوا بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فقال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: ( وَجَبَتْ )، ثم مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فقال: ( وَجَبَتْ )، فقال عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ -رضي اللهُ عنه-: ما وَجَبَتْ؟ قال: ( هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ) (متفقٌ عليه) .
الفرحُ بِمَهْلَكِ أعداءِ الإسلامِ وأهلِ البدعِ المغلظةِ وأهلِ المجاهرةِ بالفجورِ أمرٌ مشروعٌ، وهو من نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ وعلى الشجرِ والدوابِّ، بل يُشَرَّعُ الفرحُ بما يَحِلُّ بهم من مصائبَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: ( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ( الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ ) (متفق عليه) .
خاتمة: عودٌ على بدءٍ:
وصيةٌ غاليةٌ من أعظمِ ناصحٍ، بأنَّ حقوقَ المسلمِ لا تَنْقَطِعُ بالموتِ، بل تَبْقَى بعضُ حقوقه على الأحياءِ إلى يومِ القيامةِ، ومنها: قال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: ( لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ ).
اللهمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا وموتى المسلمينَ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ما ذُكِرَ في العنوانِ قد رَوَاهُ أبو داودَ والترمذيُّ والحاكمُ والبيهقيُّ عن ابنِ عمرَ -رضي اللهُ عنهما- عن النبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- أنه قال: ( اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ ) (لكنه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ في سنده عِمْرَانَ بنَ أَنَسٍ المكيَّ؛ قال فيه البخاريُّ: منكرُ الحديثِ. وقال العقيليُّ: لا يُتَابَعُ على حديثِهِ)، والرواية الصحيحة: ( لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ ).
(2) قال العلماءُ: "فلم يَنْهَهُمُ النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم- عن ذِكْرِ المَيِّتِ بالشَّرِّ، والنَّهْيَ عن سَبِّ الأمواتِ هو في غَيْرِ المنافقِ وسائرِ الكفَّارِ، وفي غَيْرِ المتظاهرِ بِفِسْقٍ أو بِدْعَةٍ؛ فأَمَّا المنافقُ والكافرُ والفاسقُ وصاحبُ البدعةِ فلا يَحْرُمُ ذِكْرُهُمْ بالشَّرِّ؛ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ، ومن الاقتداءِ بِآثَارِهِمْ، والتَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِهِمْ، ومنه ذلك الحديثُ الذي أَثْنَوْا على المَيِّتِ فيه شَرًّا؛ لأنَّه كان مَشْهُورًا بِنِفَاقٍ، أو نَحْوِهِ؛ إذَنْ فالدَّاعِي لذِكْرِ الأمواتِ بالشَّرِّ هو حاجةٌ شَرْعِيَّةٌ إلى جَرْحِهِ".
