شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وخرجت كل فويسقة

سعيد صابر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فما أن هبت رياح الصيف حتى خرجت كل فويسقة من جحرها تعيث في الأرض فساداً كاشفة عن مفاتنها قائلة بلسان حالها "هيت لك".

وقد حذرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذه الفتنة العمياء، فقال: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) متفق عليه. سيما في هذه الأيام التي استعرت فيها الشهوات، وانكشفت فيها العورات، وراجت تجارة الجسد، وغدا الحياء سلعة نادرة، وأطل الحرام برأسه، وبات طريقه ممهداً.

وتأمل كيف بدأ الله بهذه الفتنة دون غيرها، فقال: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) (آل عمران:14).

وهذه صيحة نبوية تنم عن مدى الخطر وتبين ضرورة الحذر، ولزوم الفرار من هذه الفتنة التي تأتي على الأخضر واليابس، وتعصف بحدائق الإيمان، يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ) رواه مسلم.

والسبب في تقدم هذه الفتنة على أخواتها واستحواذها على هذا السبق هو أن المرأة سلاح من أمضى الأسلحة التي يتسلح بها الشيطان في حربه مع بني البشر.

يقول -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) رواه الترمذي، وصححه الألباني.

وكثير من هؤلاء الفويسقات إن لم يكن أكثرهن على درجة من القبح والدمامة إلا أنه تزيين الشيطان، وفطر مطموسة، ونفوس خربة لا تقنع ولا تتلذذ إلا بالحرام، كهذا الذي عاش زمنا مع امرأة في الحرام حتى إذا تزوجها ملَّها، وزجرها قائلاً: ما أحلاك حراماً، وأقبحك حلالاً!

هذا ولما كانت هذه الفتنة تحفها المخاطر على مثل هذا النحو اتخذ الشرع عدة إجراءات وقائية، ووضع الأسلاك الشائكة بين الرجال والنساء؛ تجفيفاً لمنابع الفتنة، وقطعاً لدابرها. ومن ذلك:

1- تحريم الخلوة: وإلا فإنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- (1) .

2- ومنها تحريم الاختلاط: وقد أمر الشرع بالمباعدة بين الرجال والنساء لا في المواصلات والطرقات والشركات والمدارس والجامعات فحسب، بل وكذلك في أشرف البقاع، فهناك في صحن الكعبة شرع للنساء أن يطفن من خلف صفوف الرجال. وفي الحديث: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا) رواه مسلم .

وهذا الاختلاط لا يمنع منه الأجانب والكبار فحسب، بل ينسحب إلى الإخوة الصغار كذلك إبان نومهم على فرشهم، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ) رواه أبو داود، وقال الألباني حسن صحيح.

3- من هذه الإجراءات الوقائية أن الله شرع لنا الاستئذان حتى في الدخول على الآباء والأمهات، وشرع للرجل أن لا يغيب عن زوجه أو يسافر عنها أكثر من أربعة أشهر.

وشرع للمرأة ألا تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم.

4- نهي أن تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه يراها.

ونهي عن مصافحة النساء أو مسهن، وفي الحديث: (لأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ) رواه الطبراني، وصححه الألباني.

ونهى كذلك عن الخضوع بالقول في الهواتف وغيرها: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) (الأحزاب:32), ولربما كانت فتنة الصوت أعظم من فتنة النظر كما قيل:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق الحي أحيانا

ونهى الشرع المطهر كذلك عن الزنا بكل ما يؤدي إليه ويورط فيه: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) (الإسراء:32). ولما حرم عليهم الزنا أباح لهم الزواج، ورغبهم فيه ونهى عن العزوبة والتبتل، وأحال من عجز عن الزواج إلى الصوم؛ فهو حصنه الحصين.

ومن هذه الإجراءات الوقائية أن الله فرض الحجاب على المؤمنات، يقول -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب:33)، وفي الحديث: (كل عين زانية وإن المرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا. يعني زانية ) رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني .

فمن أذعن واستسلم هنيئاً له الحياة الطيبة، وأهلاً وسهلاً به في بحبوحة الجنة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97) .

ومن أعجبت بحسنها وجمالها وقوامها، وأبت إلا أن تكون فتنة للخلق فيقال لها: كم من جسد صحيح، ووجه صبيح، وصوت فصيح هو اليوم في قبره يصيح على أعماله نادم وعلى ربه قادم، يقول -تعالى-: (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) (الشعراء:205-207) .

والله لو عاش الفتى في دهره ألفاً من الأعوام مالك أمره، مستمتعاً فيها بكل لذيذة، متلذذاً فيها بأرغد عيش، لا يعتريه بلاء طيلة عمره، كلا ولا ترد الهموم بباله، ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره.

الصفحة التالية