الوصايا النبوية (25) (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- يُسْتَحَبُّ للمسلمِ خَتْمُ القرآنِ في كل شَهْرٍ، إلا أن يَجِدَ المسلمُ من نَفْسِهِ نَشَاطًا فلْيَخْتِمْ كل أُسْبُوعٍ : عن عبدِ الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال لي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ )، قال: قلتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قال: ( فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةٍ )، قال: قلتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قال: ( فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه البخاري) . وقال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل: "كان أبي يَخْتِمُ القرآنَ في النَّهَارِ في كل أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كل يَوْمٍ سَبْعًا لا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَرًا".
- وأوْصَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جميعَ المسلمينَ رِجَالًا ونِسَاءً، بحِفْظِ كتابِ اللهِ -تعالى- ما اسْتَطَاعُوا لذلك سَبِيلًا، وحَذَّرَ من هَجْرَانِهِ: قال -تعالى-: ( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) (الفرقان: 30) . وروى الإمامُ أحمدُ -رضي الله عنه- من حديث سَمُرَةَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رأى رَجُلًا مُسْتَلْقِيًا على قَفَاهُ، ورَجُلًا قَائِمًا بيَدِهِ فَهْرٌ أو صَخْرَةٌ، فيَشْدَخُ بها رَأْسَهُ، فيَتَدَهْدَهُ، فإذا ذَهَبَ ليَأْخُذَهُ عَادَ رَأْسُهُ كما كان، فيَصْنَعُ به مِثْلَ ذلك، فسَأَلَ عنه، فقيل له: رَجُلٌ أتَاهُ اللهُ القرآنَ فنَامَ عنه باللَّيْلِ ولم يَعْمَلْ به بالنَّهَارِ، فهو يُفْعَلُ به ذلك إلى يَوْمِ القِيَامَةِ.
- ومن أشَدِّ أنْوَاعِ الهَجْرِ للقرآنِ نِسْيَانُهُ بسَبَبِ الانْشِغَالِ بالدُّنْيَا: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا الرَّجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
خاتمة:
- كثيرٌ هم الذين هَجَرُوا القرآنَ، وانْشَغَلُوا عنه بالأمْوَالِ والوَظَائِفِ والأهْلِ والخِلَّانِ، فأيْنَ هم من وَصِيَّةِ سَيِّدِ الأنَامِ؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا ).
- وكثيرٌ هم الذين هَجَرُوا القرآنَ، وانْشَغَلُوا عنه بالدُّونِ من الأمُورِ والأحْوَالِ: (الجَرَائِدِ والمَجَلَّاتِ وصَفَحَاتِ ومَوَاقِعِ شَبَكَةِ العَنْكَبُوتِ)؛ فأيْنَ هم يَوْمَ القِيَامَةِ من سُؤَالِ الجَلِيلِ المُتَعَالِ؟! قال عثمانُ -رضي الله عنه-: "لو طَهُرَتْ قُلُوبُكم ما شَبِعْتُمْ من كَلامِ رَبِّكم" (رواه أحمد في زوائد الزهد) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عَقْلُ الإبلِ: هو أن يُوضَعَ فيها رِبَاطٌ في وَسَطِ الذِّرَاعِ من يَدِهَا، فيُضَمُّ ذلك إلى العَضُدِ إذا بَرَكَ البَعِيرُ، ورُبِطَ ذلك المَحَلُّ منه، ثم تُرِكَ، فعند ذلك لا يَسْتَطِيعُ أن يَنْهَضَ، ولا يَسْتَطِيعُ أن يَقُومَ، ولا أن يَنْطَلِقَ ويَنْفَلِتَ من صَاحِبِهِ، ولكنها تُحَاوِلُ الانْفِلَاتَ؛ ولذلك تَحْتَاجُ إلى تَعَاهُدٍ، فلا يُتْرَكُ هذا البَعِيرُ مُدَّةً طَوِيلَةً، في غَفْلَةٍ عنه، فإنه قد يَنْفَلِتُ، ثم بعد ذلك يَنْطَلِقُ، فلا يُوقَفُ له على أثَرٍ، فيَتَخَلَّصُ.
(2) روى عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (أخرجه الدارمي) .
