توجيهات قرآنية في مفترق طرق (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وشُهودُ آثارِ أسماءِ اللهِ وصفاتِه وأفعالِه وتوحيدُه بها -الذي هو الإيمان- يَدفع العبدَ دفعًا إلى التوكل عليه وَحدَه، والاستنصارِ به وَحدَه، والاستعانةِ به وَحدَه، والتسليمِ لأمْرِه، والامتثالِ لطاعته -الذي هو الإسلام-؛ فالإسلامُ والإيمانُ يَستلزمانِ كمالَ التوكل على الله -تعالى-، ورُبَّمَا قدَّرَ اللهُ -تعالى- انقطاعَ الأسباب عن المؤمنين واجتماعَ الكفار على رَمْيهم بقوس واحدة مع قِلَّتِهم وضَعفهم؛ لِيَتمحَّصَ توكلُهم على الله -تعالى- وَحدَه مع تمسُّكِهم بمقتضيات الإيمان والإسلام؛ فهذا هو التوجيه الأول في قول موسى -عليه السلام- لقومه: ( يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ )، وتأمَّلْ تقديمَ الجارِّ والمَجرور على الفِعل والفاعل في ( فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا )؛ الذي يُفيد الاختصاصَ والاهتمامَ، أي: عليه وَحدَه توكلوا؛ فهذا مِن أعظم واجباتكم.
ثم تأتي الأوامر الربانية للقيادة المؤمنة باتخاذ البيوت للأتباع: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا )، وتَبَوَّءَا؛ أي: اتَّخِذَا، وهذا يَحصل مِن توثيق الروابط بين أفراد الأمة وقيادتِها المؤمنة -ولو كانت تحت سُلطان الكفار في الظاهر-، وقد ظهرت ثمرة هذه الرابطة القوية عندما صَدَرَ الأمْرُ الإلهي: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) (الشعراء:52) ؛ فتحرَّك بنو إسرائيلَ -وهم يومَئذ يُقدَّرون بمئات الألوف أو عَشَرَاتِها على أدنى تقدير- معهم أُسَرُهم وزوجاتُهم وأبناؤهم وبناتُهم وعجائزُهم، بل ورُفـَاتُ بعض مَوْتاهم! ولولا هذا الترابط لما أمكن هذا التحرك.
ولو تأملتَ نجاحَ طالبان في المُقاومة الرائعة المشرِّفة للاحتلال؛ لوَجدتَ مِن وراء ذلك وَحْدَةَ القِيادة، نسأل الله أن يَجمع كلمتَهم على الحق، وأن يُنزل عليهم نصرَه وتأييدَه.
ولو تأملتَ حال الأمة أيامَ تحرير المسجد الأقصى مِنَ الصليبيين؛ لوَجدتَ أنَّ وَحْدَةَ القِيادة والروابطَ الوَثيقةَ بين الأمَّة وقيادتِها -مُتمثلةً في نور الدين محمود ثم صلاح الدين -رحمهما الله- مِن أعظم أسباب النصر، أما إذا كُنَّا لا نزال في مَرحلة ( أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ) (البقرة:247).
فما يَزال أمامنا طريقٌ طويل قبل التحرُّك المطلوب! فهل نَعِي هذا الدرسَ العظيمَ؟!
ثم يأتي التوجيه الثاني: ( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً )؛ وفيه تفسيرانِ كلاهما حَقٌّ:
الأول: صَلُّوا في بُيوتكم؛ حيث عَجَزُوا عن المساجد.
الثاني: اجعلوها يُقابِل بَعضُها بَعضًا.
فالأول: إقامة الصلاة ، وقد أتى بعد ذلك صَرِيحًا في قوله -تعالى-: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )؛ فيكون توكيدًا لهذا المعنى أو تأسيسًا له لو حُمِلَتْ الآيةُ على المعنى الثاني، فالصلاة أعظم واجبات الإسلام بعد الشهادة بالتوحيد والرِّسالة، وهي مَفزَعُ النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حَزَبَهُ أمْرٌ، وهي مِفتاحُ أنواع الخير، ومَحَلُّ الدعاء والاستغاثة بالله -تعالى-، ومَحَلُّ تدبُّرِ آياتِ القرآن وفـَهمِ أوامرِه وتوجيهاتِه، ومَحَلُّ الاستنصارِ ونُزولِ المِنَنِ والهِبَاتِ الإلهيةِ على عِباده، ولقد وَقـَفَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طِيلةَ ليلةِ بدر تحتَ شجرة يُصلِّي حتى وُهِبَ النصرَ، ووَقـَفَ يُصلِّي ليلةَ الأحزاب طـَوَالَ الليل حتى نـَزَلَ النصرُ، ووُهِبَ زكريا -عليه السلام- يحيى وهو قائمٌ يصلي في المحراب، فالصلاة قـُرَّةُ عين المؤمن، بها يَتغيَّر وَجه العالم، فهل قـُمنا بذلك وغيَّرنا مَوازينَ الحياة؟! هل وَعَيْنا الدرسَ؟!
والمعنى الثاني: واجعلوا بيوتكم يُقابِل بَعضُها بَعضًا؛ فهذا فيه تَرَابطُ أفراد الأمَّة بَعضُهم ببعض؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بَعضُه بَعضًا، والمؤمنون كالجسد الواحد، والتَّجاورُ في المَساكن والتَّزاورُ وتفقـُّدُ الأحوال إنما يَرمِي إلى تحقيق هذا الهدف وإزالةِ ما يُمكِن أن يوجد مِن اختلافات وتفرُّقات ومُنازعات.
إنَّ قوةَ الترابط بين أفراد الأمة وقِلَّةَ التنازع لهو سِمِةٌ ضروريةٌ للطائفة المؤمنة المُهَيَّأَةِ للتمكين، أفتـَرَونَ أمَّةً تتنازع وهي في مرحلة الاستضعاف؛ ماذا يصنع بعضُها ببعض إذا مُكِّنَ لها وعند وجود السلطان والمال والسلاح؟! إذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يَخشى على أصحابه الذين رباهم على عَيْنه أن تُفتَح عليهم الدنيا، فيتنافسوها كما تنافسها مَن قبلَهم؛ فتهلكهم كما أهلكتهم؛ فما تَرَوْنَ فيمن بَعدَهم ممَّن لم يَتَرَبَّ مِثلهم، ولا أَخلَصَ مِثلهم، ولا صَدَقَ مِثلهم؟!
إنَّ ضَعفَ الروابط بين الأفراد وكثرةَ المنازعات مِن علامات إرادة الدنيا وضعفِ الإخلاص والصدق؛ ممَّا تكون مصلحة الأمَّة فيه أن تبقى في فترة الإحراق، ولا تتحول إلى فترة الإشراق؛ لأن فترةَ المِحنة تؤدي إلى خُمود الأمراض، وفترةَ التمكين تؤدي إلى ظهور الأعراض لهذه الأمراض.
فهل نعي الدرس ويُحِبُّ بعضُنا بعضًا، ويَحتمل بعضُنا بعضًا، ويَرحَم بعضُنا بعضًا، ويُشفِق بعضُنا على بعض، ويَنصَح بعضُنا بعضًا، ويَقبَل كلٌّ منا نصيحةَ الآخَر، ونُحقـِّق الأخُوةَ التي يَزول معها البُؤس بما يَفعل الأعداءُ ( إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يوسف:69)، أم ما زال بعضُنا يُوالي أعداءَ أمته على حساب إخوَتِه؟!
ثم يأتي التوجيه الثالث: ( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ): للتوكيد على المعنى الأول، أو لتأسيس هذه الضرورة للطائفة المؤمنة في كل أوقاتها، وقد سَبَق بيانُه وأهميتُه.
