الوصايا النبوية (28) (الوصية بدعاء تفريج الكرب وصلاح الحال) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • من نور الوحيين
- وإلا فأسعد الناس في الدنيا من صَلَح لهم دينهم، ولو حُرِمُوا طيبات الدنيا: مِنْ كلمات ابن تيمية -رحمه الله- الذهبية لما وُضِعَ في السجن: "مَا يَصْنَعُ أَعْدَائِي بِي؟ أَنَا جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، إِنْ رُحْتُ فَهِيَ مَعِي لَا تُفَارِقُنِي، إِنْ حبسي خَلْوَة، وقتلي شَهَادَة، وَإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سِيَاحَةٌ" (الوابل الصيب) (1) .
الشأن الثالث: الآخرة:
- أكثر الناس نسوا هذا الشأن: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (الحشر: 19) (2) .
- وأفجأتهم ملائكة الموت عند رؤوسهم: قال -تعالى-: ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ) (التكاثر: 1-2) ، وقال: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (سورة المؤمنون: 99-100) .
- بل سيُفْجَأُون بالنار، وسينسون كل نعيم من طيبات الدنيا التي أفسدت الشأنين العظيمين (الدين والآخرة): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ ) (رواه مسلم) .
- بخلاف من أصلح الله لهم شأنهم كله، فعاشوا في الدنيا بالدين ليضمنوا صلاح الآخرة، ولو فقدوا متاع الدنيا كله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ) (رواه مسلم) .
وقفة مع ما تضمنه الدعاء:
- ( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ... ): توسل إلى الله -تعالى- بأسمائه وصفاته؛ فهو -سبحانه- الحي القيوم؛ قال بعض أهل العلم -وهو اختيار الحافظ ابن القيم رحمه الله-: "الْحَيَّ، الْقَيُّومَ هما الاسم الأعظم".
فالْحَيُّ هو: ذو الحياة الكاملة من كل وجه، ليست مسبوقة بعدم، ولا يلحقها عدم، ولا يعتريها نقص؛ قال -تعالى-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) (الفرقان: 58) .
والْقَيُّومُ هو: القائم بنفسه، القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم، فلو تركهم عنهم طرفة عين لكان ذلك هلاكًا مُحَقَّقًا لهم، عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كَرَبَهُ أمر قال: ( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وقوله: ( وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ) أي: لا تتركني لضعفي وعجزي لحظة واحدة، بل أصحبني العافية دائمًا، وأعني بقوتك وقدرتك؛ فهو اعتراف بالفقر التام إليه -سبحانه-، والاستسلام الكامل لغناه عز وجل (3) ؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ) ثُمَّ قَالَ: ( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) (رواه مسلم) .
خاتمة:
- وصية عظيمة في كلمات يسيرة، يعبِّر بها العبد عن صلته الدائمة بربه الذي ليس له غنى عنه طرفة عين.
- وصية جامعة بأعظم ما يطلبه الإنسان من المَلِك العَلَّام: صلاح شأنه كله (دينه، ودنياه، وآخرته).
فاللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعني هذه العبارة: أن السعادة الداخلية للإنسان وراحة قلبه لا تتأثران بظروفه الخارجية أو بأفعال أعدائه؛ فالسعادة الحقيقية تكمن في الإيمان والتقوى، وهما موجودتان في قلب المؤمن، ولا يمكن لأحدٍ أن يحرمه منهما.
(2) التفسير: ولا تكونوا -أيها المؤمنون- كالذين تركوا أداء حقِّ الله الذي أوجبه عليهم، فأنساهم بسبب ذلك حظوظ أنفسهم من الخيرات التي تُنْجِيهِم من عذاب يوم القيامة. (التفسير الميسر).
(3) إذا تُرِكَ الإنسان لنفسه، وتخلَّى الله -تعالى- عنه، بدأ التَّمَزُّق ينتابه من كل ناحية، فهو بحاجة إلى مثل هذه الألطاف الربانية التي تصل إليه من طريق رحمة الله -تبارك وتعالى-. وإذا أردت أن تَعْرِفَ قدرَ طرفة العين، فانظر إلى مريض الجلطة، في لحظة يتجمد هذا الدم في عرق، ثم بعد ذلك تتلاشى كل هذه القدرات والإمكانات العقلية والبدنية، فيصبح هذا الإنسان القوي المفتول العضلات الذي يهز الأرض إذا مشى في لحظة وقد انتهى كل شيء! فالخلق ضعفاء.
