استعينوا بالله واصبروا (1) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
لأن هناك قلوبًا خبيثة، وهناك ما يشبه المغناطيس يجذبها له، كما قال -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) (الأنفال:36-37) .
الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وذلك سيكون عليهم بعد ذلك حسرة: ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ) يتحسرون لماذا؟! لأنهم لا يجدون ثمرة لما يفعلون، يجدون عكس ما يريدون من صد الناس عن سبيل الله. وفي نهاية الأمر: ( ثُمَّ يُغْلَبُونَ ).
وتأمل ذكر ( ثُمَّ ) في هذا الموضع، وهي للتراخي؛ لكي تطمئن، لكي يسكن قلبك؛ ولكي تعلم أن الأمور كلها بمقادير، وأنها لها موعد محدد، ولا تقل: لماذا لم يأخذهم الله الآن؟ لماذا تركهم يفسدون في الأرض ثم يغلبون؟ ثم سوف يأتي ذلك الزمان.
ولذلك قال الله -عز وجل- لنبيه: ( وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ) (الأحقاف:35) ، فإياك أن تستعجل، واعلم أن كل شيء بحكمة وبقدر من الله -عز وجل- الملك المليك المقتدر، فهو -عز وجل- الذي آتى فرعون وأمثاله في كل زمان هذه القوة والزينة.
وقال -عز وجل-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ . وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ) (الأنعام:112-113) .
تأمل -والله- هذه الكنوز القرآنية، تأمل أن الله الذي جعل، وهذا أول ما ينبغي أن تلحظه: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا )، لم يقل كذلك كان لكل نبي وإنما قال: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا )، فالله الذي خلق في قلوبهم ذلك كما قال -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ )، وبدأ بشياطين الإنس؛ لأنهم أكثر ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) يشير بعضهم على بعض، ويأمر بعضهم بعضًا، وينصح بعضهم على الفساد والكفر والنفاق، ( زُخْرُفَ الْقَوْلِ ) أي: القول المزخرف الذي يحسبه سامعه حقًّا وهو باطل، وأكثر الناس ليس عندهم من التمييز والقدرة على معرفة النافع من الضار ( غُرُورًا ) أي: ليغروهم به.
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) استحضر هذا جيدًا؛ أن كل الأمور بمشيئته -سبحانه-: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ )، ثم إذا تَمَّ ذلك بإذنه وحكمته، وَقَع ما أراد -سبحانه وتعالى-، وهو الذي قَدَّر -عز وجل- وجود الأعداء وكيد الأعداء، وكل ذلك لهوانهم عليه؛ ولذلك قال لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ( فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ )، وهذا نوع من الاحتقار؛ لا تعبأ بهم، لا تقلق، لا تضطرب من ذلك، والخطاب في حقيقة الأمر لكل مؤمن كما قال: ( لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ) (آل عمران:196) .
هم أهون على الله -سبحانه وتعالى- من أن يجعل لهم منزلة وقَدْرًا، ولو كانت الدنيا بأسرها تساوى عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.
لو أن الدنيا بأسرها كانت تساوى عند الله شيئًا ما مَدَّ عمر إبليس ليطول في الدنيا، فهو منذ خلق الله آدم -عليه السلام- وأمر ملائكته بالسجود له فأبى، هو مخلوق قبل آدم، وسيبقى إلى قيام الساعة، سأل الله -تعالى- النظرة، فأعطاها الله له.
انظر لتعرف هذه الدنيا، ما أشد تفاهتها وحقارتها! فإن الله أعطاها لعدوه إبليس اللعين حين سألها؛ لأنها أتفه ما تكون؛ لذلك استحضر أن ذلك بمشيئة الله -سبحانه وتعالى-: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ) (الأنعام:112) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
