شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

استعينوا بالله واصبروا (3) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وبذلك نقول: إن الاستعانة تحصل في قلب العبد إذا استشعر أن الله هو الذي بيده نواصي الخلق، أمورهم كلها بيده، وكذلك إذا استحضر أنه ملك لله يفعل به ما يريد، وهو مطلوب منه أن يفعل ما أمر به من العبادة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: ( يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فأنت تستعين بالله على أن تظل ثابتًا، وعلى أن تظل عابدًا شاكرًا ( ‌أَعِنِّي ‌عَلَى ‌ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ).

وقد طلب موسى -عليه السلام- المؤازرة بهارون، لكي يسبحا كثيرًا، فقال: ( وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا . قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) (طه: 29-36) .

فالاستعانة بالله -عز وجل- تنبع من شهود أن الأمر بيده، من شهود القضاء والقدر، ومرتبة الاستعانة -أي طلب العون من الله- إنما هي استعانة على عبادته -سبحانه وتعالى-، والله -عز وجل- جعل الناس في هذه المنزلة مراتب وأنواعًا، فمنهم مَن يستعين بالله -سبحانه وتعالى- على قضاء مصالحه الدنيوية فهو يتوكل على الله في أمر الرزق، وفي أمر الأولاد، وفي أمر الوظيفة، وفي أمر العمل، وغير ذلك، وهذا وإن كان حسنًا؛ إلا أنه ليس فقط هو المطلوب.

وكثير من الناس يستعين بالله -عز وجل- ويدعوه لنيل المحرم -والعياذ بالله-؛ فهو يتوجه إلى الله وليس في باله أن يطيع الله -عز وجل-!

وربما وجدت مَن يخرج لأكل الربا، يقول: "توكلت على الله"، ونجده فعلًا يسأل الله التوفيق في هذا العمل؛ لأنه حصل له الجهل المركب -والعياذ بالله-، ولم يعبأ بأن يبحث عن الشرع، ولم يتعلم شرع الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك ظن الجاهل أنه يتوكل على الله لنيل معصية، وربما حصل له ذلك.

وإبليس لم يتوجه لغير الله لطلب المد في عمره، قال: ( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (ص 79) ، مَن سأل؟ سأل الله -سبحانه وتعالى-، وأعطاه الله ما سأل -والعياذ بالله-.

لماذا سأل إبليس ربه ذلك؟

لكي يستعين بهذا العمر الطويل على إضلال الناس، وعلى محاربة الله، فيا للعجب!

أيظن أن الله لا يدري، ولا يعلم ما في نفسه حتى كتم هذا الأمر إلى أن تأكد أن الله أنظره، فقال: ( فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (ص 82-83) ؟! لكنها نوعية عجيبة، ونوعية من المخلوقات غريبة، تستعين بالله على الكفر به ومعاداته ومعصيته، وتطلب منه وتستعين به على ذلك، نوعية غريبة، لكنها موجودة بالفعل ولا تسغربها.

وأعلى الناس قدرًا في أمر الاستعانة هو مَن يستعين بالله على عبادته، على طاعته؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر على الطاعة إلا بتوفيق الله -سبحانه وتعالى-.

فالله -سبحانه وتعالى- يحب مَن يذكره، فهذا الأمر الأول: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ ) (الأعراف: 128) ، أما الأمر الثاني: ( وَاصْبِرُوا ) (الأعراف: 128) .

فتأمل معي في حال مَن يحاربون المسلمين بالفعل في كلِّ المشارق والمغارب؛ ألا يصيبهم من الجراح، والقتل والمتاعب والشقاء؟!

بلى، يصيبهم ذلك كثيرًا من الجراح والقتل، والأمراض والبلاء، ومع ذلك هم على ما هم عليه صابرون، فهناك مَن يصيبه ذلك وهو في إثم في عاقبته، وهناك مَن تسلب صحته جزاء إفراطه في ظلم الناس ويبدل بها ضعفًا.

فهذا أخ من الأخوة بالأمس يحكي لي: إنه كان من شهرين أو من شهر ونصف في كمال القوة والعافية، وكان من عادته أن يظلم كثيرًا من الناس، فيقول: مررتُ به الأسبوع الماضي وقد أصيب بورم -يعنى سرطاني- فأخذت حنجرته كلها وأصبح في هزال شديد، من شهر ونصف فقط.

وهناك مَن يجيء له الألم بسبب طاعة الله -سبحانه وتعالى-، وهذا في الحقيقة ألم له مرارة، ولكن حلاوة الطاعة أذابته.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة