من هدايات القرآن (4) (وَقُولُوا حِطَّةٌ)
إسلام صبري • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن أجَلِّ نعم الله الكريم على عباده: أن دعاهم -سبحانه وتعالى- إلى التوبة والاستغفار؛ فإن الله -تعالى- يريد شَرْعًا أن يتوبَ على عباده، ويحب -تبارك وتعالى- هذا منهم؛ قال -تعالى-: ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ) (النساء: 27) .
والقلب يتقطَّع شَوْقًا وحُبًّا لله -تعالى- إذا سمع قول الله -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر: 53) .
فهي دعوة كريمة من ربٍّ كريم لطلب المغفرة من الغفور الرحيم، وألا يقنط العبد المذنب والذي أسرف على نفسه بالمعاصي من رحمة العظيم -سبحانه-.
وقد دعا الله -تبارك وتعالى- بني إسرائيل بهذه الكلمات الكريمة: ( وَقُولُوا حِطَّةٌ ) (البقرة: 58) أي: احْطُطْ عنا ذنوبنا واغفرها لنا؛ إلى طلب المغفرة من الذنوب والإقرار بها، وسؤال الله -تعالى- أن يغفرها لهم مع غناه -سبحانه وتعالى- عن عباده أجمعين، ولكنه حُبٌّ من الرب الكريم لعباده التائبين المعترفين بذنوبهم ويكونون بها مُقِرِّين، ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (البقرة: 222) .
ولكن بني إسرائيل -ويا للأسف- أساءوا الأدب مع الله -تبارك وتعالى- الغني عن عباده القوي المتين، فبدَّلوا ذلك وقالوا: حبة في شعرة، وقالوا: حنطة في شعرة، وهذا -أي: قولهم- في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعقابه لفسقهم.
فهل نستجيب لدعوة الله لنا بالتوبة والاستغفار كما قال: ( وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور: 31) ، وكما قال -تعالى-: ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) (هود: 3) ؟! أم نتولَّى ونعرض عن رحمة الله -تعالى- فنتعرض -عياذًا بالله- لغضبه وعقابه كما قال -تعالى- في تتمة الآية السابقة: ( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) (هود: 3) ؟!
فالمقصود: إدراك سَعَة رحمة الله -تعالى- وعظيم تودُّده لعباده بدعوتهم للتوبة والاستغفار مع غناه -سبحانه- عنهم، ودعوتهم لأن يقولوا: احْطُطْ عنا ذنوبنا واغفرها يا مولانا وإلهنا لنا مع شدة فَقْرهم وحاجتهم إليه، وأن نخشى -إن نحن تركنا ذلك- من عذاب الله وعقابه.
نسأل الله المغفرة لذنوبنا والنجاة من عذاب الدنيا والآخرة.
