استعينوا بالله واصبروا (4) (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
لذلك أنت تحتاج إلى تتبع رضوان الله، افعل ما يرضي الله... أكثر من الطاعة... أكثر من العبادة، ومن الذكر ومن الدعاء؛ فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الثبات على دين الله -سبحانه وتعالى-.
ومِن أعظم ما يحتاج إليه المؤمن: أن يكون مع إخوانه في الله، يوثق علاقته بهم، ويتعاون معهم على نصرة الدين وإقامة شرع الله، ولا يبتعد عنهم.
فمجتمعنا الذي كان في يوم من الأيام مجتمعًا مثاليًّا يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام؛ ينجو بأفراده وجماعاته لا يعبأ بالفتن، ولا تنال منه المحن، ولا تستميله الشهوات، ولا تضله الشبهات، ابتَعد شيئًا فشيئًا عن حقيقة الالتزام بدين الله ولم يبقَ منه على الخير إلا بقية قليلة لاذوا بقوارب النجاة وتحصنوا بالدعوة إلى الله وملازمة المساجد، ومصاحبة أهل الخير ممَّن يدعون إلى إقامة دين الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بحكمة وبصيرة، وهؤلاء هم الأحياء -أحياء القلوب- الذين نجوا بسفينة السُّنَّة، وفطنوا لشراك البدعة فأفلتوا منها.
نحن كنا كركاب سفينة كبيرة، ولكنها غرقت وبقيت لنا قوارب نجاة يجتمع فيها بعض مَن يلتمس النجاة، وأسماك القرش في البحر المتلاطم الأمواج تحيط بقوارب النجاة من كلِّ جانب وتنهش في جوانبه، وهي ليست كالسفينة شديدة محكمة، بل هي مطاطية؛ أسماك القرش ربما تأخذها من جوانبه وتفزع كل من فيها، ومع ذلك أتظنون عاقلًا يقول: أسماك القرش تحيط بالقارب وأنا أريد إنقاذ نفسي، سوف ألقي بنفسي في البحر، أيكون عاقلًا هذا الذي يلقي بنفسه وسط الأسماك ويترك قارب النجاة الوحيد؟! لا شك أنه هالك قبلهم، وأسماك القرش تفعل ذلك لكي يلقي الناس أنفسهم إليها لكي يأكلوهم أكلًا، وأما العاقل فهو يسعى إلى سدِّ ثغرات القارب ونزح المياه التي تأتي عليه من البحر.
ولا شك أن أمواج الفتن عالية ورياحها عاتية، والأخطار محدقة، ونذر الهلاك كثيرة، لكن لا بد أن نتعاون على حفظ هذا القارب.
المجتمع الذي كان في يوم من الأيام مجتمعًا مثاليًّا يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام منذ مئات السنين غرق تدريجيًّا إلى أن صار بعيدًا عن حقيقة الالتزام بالإسلام، وبقيت فيه قوارب النجاة، وهي مَن يدعو إلى الله -عز وجل- ويلتزم من أهل المساجد ومن أهل الخير، وممَّن يدعون إلى إقامة دين الله؛ فهذه قوارب النجاة، أما أسماك القرش حولك -وهي أهل الفتن- الذين يقولون لك: "ابتعد عن هؤلاء لكي تطمئن!"؛ لماذا هم المقصودون؟ لأنهم هم الباقون؛ لأن الآخرين قد غرقوا، لا يريد أحد أن يبحث عن هؤلاء الموتى، وإنما يريدون هؤلاء الأحياء -أحياء القلوب-؛ لذلك الخطر كل الخطر أن تذهب بنفسك إلى أمواج الفتن، وأن تبتعد عن أسباب طاعة الله -سبحانه وتعالى-؛ هذه أمور لا بد أن تكون على بينة منها لكي تثبُت على دين الله -سبحانه وتعالى-، وكي تستمر على طريق الهداية، رغم كل أنواع المعوقات والعقبات التي تموج بنا في الطريق.
وكذلك وصية أخرى نختم بها كلامنا: أعظم ما يحيي القلب هو ما أنزله الله روحًا من عنده؛ "كتاب الله -سبحانه وتعالى-"، الذي لا بد أن نستمد منه الحياة، قال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ ) (الشورى:52، 53) .
ولا أعني بذلك مجرد تصحيح اللسان، وحفظ الحروف والكلمات -وإن كان ذلك هو الخطوة الأولى اللازمة-، ولكن لا بد بعدها من التدبر وإمرار الآيات على القلوب: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) (ص:29) ، وليكن تصحيحك للحروف والكلمات وسيلة إلى تدبر قلبك لها، كما قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ عَلِمْتُ مَكَانَكَ لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا ) (رواه البخاري ومسلم، وابن حبان واللفظ له) ، أي: لزينتُ لك القرآن بصوتي تزيينًا، وأنت تريد بتصحيح الكلمات والحروف أن تتفهم القرآن أكثر؛ لأن مَن لا يحسن القراءة ربما يفوت على نفسه خيرًا كثيرًا من التدبر في القراءة؛ بسبب عدم إتقانه للقراءة.
فنصيحتي إلى إخواني وأبنائي الشباب... أن يستغلوا هذه الفرصة، فأنت في مرحلة يمكنك أن تحفظ، ولكن كما ذكرتُ لا يكون همك أنهم سيقولون عنك: إنك متقن أو ستُعطى إجازة تفخر بها وتعلِّقها على الجدران، أو تعمل بها في أوقات تحتاج إلى العمل فيها.
ولكن اجعل ذلك وسيلة إلى الغاية المقصودة، فإنما أنزله الله القرآن للتدبر: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) (ص: 29) .
نسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا منهم، وأن يثبِّت قلوبنا على دينه.
اللهم يا مصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك، واجعلنا من عبادك المخلصين.
