شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (34) (الوصية بأربع صفات) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- ( وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ ) يثقِّلُ الميزانَ يومَ القيامةِ: عن أبي الدرداءِ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- لَيَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ ) (رواه الترمذي وصحَّحه الألباني) .

- ( وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ ) أكثرُ ما يدخلُ الناسَ الجنةَ حسنُ الخلقِ: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سئلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكثرِ ما يدخلُ الناسَ الجنةَ، فقال: ( تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ) (رواه الترمذي، وحسَّنه الألباني) (1) .

- ( وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ ) من أهمِّ عواملِ النجاحِ، فكثيرٌ من الناسِ (علماءُ، أذكياءُ، مبدعونَ) يتركُ الناسُ ما عندهم من الخيرِ بسببِ سوءِ خلقِهم؛ قال الفضيلُ بن عياضٍ -رحمه الله-: "لأن يصحبَني فاجرٌ حسنُ الخلقِ، أحبُّ إليَّ من أن يصحبَني عابدٌ سيئُ الخلقِ". وعن أمِّ الدرداءِ -رضي الله عنها- قالت: "كان أبو الدرداءِ ليلةً يصلِّي فجعلَ يبكي وهو يقولُ: اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي حَتَّى أَصْبَحَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا كَانَ دُعَاؤُكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ إِلَّا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يُحَسِّنُ خُلُقَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ الْخُلُقِ الْجَنَّةَ، وَيُسِيءُ خُلُقَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ" (شعب الإيمان) .

الخصلة الرابعة: (وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ):

- ( وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ ) طلبُ الحلالِ وتحرِّيه أمرٌ واجبٌ وحتمٌ لازمٌ، وإن حقًّا على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن يتحرَّى الطيِّبَ من الكسبِ، والنزيهَ من العملِ، ليأكلَ حلالًا وينفقَ في حلالٍ: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ) (المؤمنون: 51) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) (البقرة: 172) ، ( لَنْ تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

- من العجبِ حالُ بعضِ الناسِ حيث يخافُ من أكلِ الحلالِ خشيةَ المرضِ، ولا يتورَّعُ ولا يخافُ من أكلِ الحرامِ الذي عاقبتُه النارُ: ( لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ ) (رواه الترمذي وحسَّنه) .

- ( عِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ ) فيه: طيبُ المكاسبِ، وصلاحُ الأموالِ، وسلامةُ الدينِ، وصونُ العرضِ، وجمالُ الوجهِ، ومقامُ العزِّ. وعن وهبِ بن منبهٍ -رحمه الله- قال: "من سرَّه أن يستجيبَ اللهُ دعوتَه فليطيِّبْ طعمتَه". وسئلَ بعضُ الصالحينَ: "بم تلينُ القلوبُ؟ فقال: بأكلِ الحلالِ".

- إن أكلَ الحرامِ يعمي البصيرةَ، ويضعفُ الدينَ، ويقسِّي القلبَ، ويقعدُ الجوارحَ عن الطاعاتِ، ويحجبُ الدعاءَ: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (المؤمنون: 51) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة: 172) . ثم ذكرَ الرجلَ يطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغذيَ بالحرامِ، فأنى يستجابُ لذلكَ.

قال الحافظُ ابن رجب -رحمه الله-: "فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْعَمَلُ وَلَا يَزْكُو إِلَّا بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَإِنَّ أَكْلَ الْحَرَامِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ وَيَمْنَعُ قَبُولَهُ".

خاتمة: عود على بدء:

- أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوصيةِ بأربعِ خصالٍ وصفاتٍ، إذا اتَّصفَ المسلمُ وتخلَّقَ بهن، فلا بأسَ بما يضيعُ من الدنيا من متعٍ، إن كان قد اتَّصفَ بتلك الصفاتِ: ( أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ ).

رزقَنا اللهُ وإياكم هذه الخصالَ، وطهَّرَنا وإياكم من قبيحِ الخصالِ والأقوالِ والأفعالِ.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جمعَ بعضُ العلماءِ علامات حسن الخلق فقال: "هو أن يكونَ الإنسانُ كثيرَ الحياءِ، قليلَ الأذى، صدوقَ اللسانِ، قليلَ الكلامِ، كثيرَ العملِ، قليلَ الزللِ، برًّا وصولًا، وقورًا صبورًا، شكورًا رضيًّا، حليمًا رفيقًا، عفيفًا شفيقًا، لا لعَّانًا ولا سبَّابًا، ولا نمَّامًا ولا مغتابًا، ولا عجولًا ولا حقودًا، ولا بخيلًا ولا حسودًا، بشَّاشًا هشَّاشًا، يحبُّ في اللهِ، ويبغضُ في اللهِ، ويرضى في اللهِ، ويغضبُ في اللهِ".

الصفحة السابقة