شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (229) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت وتأذينه في الناس بالحج (12)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ ‏لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا ‏لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . ‏وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ‏وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ ‏الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج: 25-29) .‏

قال القرطبي -رحمه الله- في تفسيره: "الطواف المذكور في هذه الآية هو طواف الإفاضة الذي هو من واجبات الحج. قال الطبري: لا خلاف بين المتأولين في ذلك. ( قلتُ: قوله: من واجبات الحج لا يعني به التقسيم المعروف إلى ‏ركن وواجب ومستحب، ولكنه يعني مما أوجبه الله في الحج، وهو ركن باتفاق العلماء)‏.

قال: المسألة الثانية والعشرون للحج ثلاثة أطواف: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، ‏وطواف الوداع. قال إسماعيل بن إسحاق: طواف القدوم سنة، وهو ساقط عن المراهق، وعن ‏المكي، وعن كل من يحرم بالحج من مكة. ‏

قال: والطواف الواجب الذي لا يسقط بوجه من الوجوه، وهو طواف الإفاضة الذي يكون ‏بعد عرفة؛ قال الله -تعالى-: ( ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ). قال: فهذا ‏هو الطواف المفترض في كتاب الله -عز وجل-، وهو الذي يحل به الحاج من إحرامه كله. ‏قال الحافظ أبو عمر -يعني ابن عبد البر-: ما ذكره إسماعيل في طواف الإفاضة هو قول مالك ‏عند أهل المدينة، وهي رواية ابن وهب، وابن نافع، وأشهب عنه. وهو قول جمهور أهل العلم ‏من فقهاء أهل الحجاز، والعراق.‏

‏ وقد روى ابن القاسم، وابن عبد الحكم عن مالك: أن طواف القدوم واجب. وقال ابن ‏القاسم في غير موضع من المدونة، ورواه أيضًا عن مالك: الطواف الواجب طواف القادم مكة. ‏وقال: من نسي الطواف في حين دخوله مكة أو نسي شوطًا منه، أو نسي السعي أو شوطًا ‏منه حتى رجع إلى بلده، ثم ذكره، فإن لم يكن أصاب النساء رجع إلى مكة حتى يطوف ‏بالبيت، ويركع، ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يهدي. وإن أصاب النساء رجع، فطاف ‏وسعى، ثم اعتمر وأهدى. وهذا كقوله فيمن نسي طواف الإفاضة سواء. فعلى هذه الرواية ‏الطوافان جميعًا واجبان، والسعي أيضًا.

وأما طواف الصدر -وهو المسمى بطواف الوداع-: فروى ‏ابن القاسم، وغيره عن مالك فيمن طاف طواف الإفاضة على غير وضوء: أنه يرجع من بلده ‏فيفيض؛ إلا أن يكون تطوع بعد ذلك. وهذا مما أجمع عليه مالك وأصحابه، وأنه يجزيه تطوعه ‏عن الواجب المفترض عليه من طوافه.

وكذلك أجمعوا أن مَن فعل في حجه شيئًا تطوَّع به من ‏عمل الحج، وذلك الشيء واجب في الحج قد جاز وقته، فإن تطوعه ذلك يصير للواجب لا ‏للتطوع؛ بخلاف الصلاة. فإذا كان التطوع ينوب عن الفرض في الحج كان الطواف لدخول ‏مكة أحرى أن ينوب عن طواف الإفاضة؛ إلا ما كان من الطواف بعد رمي جمرة العقبة يوم ‏النحر أو بعده للوداع.

ورواية ابن عبد الحكم عن مالك بخلاف ذلك؛ لأن فيها أن طواف ‏الدخول مع السعي ينوب عن طواف الإفاضة لمن رجع إلى بلده مع الهدي، كما ينوب طواف ‏الإفاضة مع السعي لمن لم يطف ولم يسعَ حين دخوله مكة مع الهدي أيضًا عن طواف القدوم. ‏ومن قال هذا قال: إنما قيل لطواف الدخول واجب، ولطواف الإفاضة واجب؛ لأن بعضهما ‏ينوب عن بعض؛ ولأنه قد روي عن مالك أنه يرجع من نسي أحدهما من بلده على ما ذكرنا، ‏ولأن الله -عز وجل- لم يفترض على الحاج إلا طوافًا واحدًا بقوله: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ )، ‏وقال في سياق الآية: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) والواو عندهم في هذه الآية وغيرها لا توجب رتبة ‏إلا بتوقيف.

وأسند الطبري عن عمرو بن أبي سلمة قال: سألت زهيرًا عن قوله -تعالى-: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) فقال: هو طواف الوداع. وهذا يدل على أنه واجب، وهو أحد قولي ‏الشافعي؛ لأنه -عليه السلام- رَخَّص للحائض أن تنفر دون أن تطوفه، ولا يرخص إلا في ‏الواجب" (انتهى من تفسير القرطبي) .

( قلتُ: القول بأن طواف القدوم واجب إنما هو لمن قَدِم مكة وأتى المسجد؛ فهذا يجب عليه ‏طواف القدوم، وأما من ذهب إلى منى أو عرفه مطلقًا ابتداءً فليس عليه شيء؛ لقول النبي -صلى ‏الله عليه وسلم- في حديث عروة بن مضرس، وقد كان في المشعر الحرام صباح يوم النحر: ( مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ أَتَمَّ حَجَّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ؛ فهذا الحديث نصٌّ في عدم وجوب طواف القدوم لمَن لم يأتِ مكة، أو لمن ‏ذهب إلى عرفة مباشرة، وكذلك القول بأن طواف القدوم يعني عن طواف الإفاضة خلاف ‏الصواب؛ لنقل ابن جرير الإجماع على أن قوله -تعالى-: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ): أنه طواف الإفاضة، ‏والأقوال الأخرى شاذة؛ فإذا كان هذا هو المأمور به فلا يتم الحج إلا به، وهو ركن من الأركان ‏ولا ينوب عنه شيء إلا أنه يصح أن ينوي طواف الإفاضة والوداع معًا؛ لأن طواف الوداع واجب ‏وليس بنُسُك؛ لأن الحاج يؤديه بعد قضاء نسكه؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ ‌بَعْدَ ‌قَضَاءِ ‌نُسُكِهِ ‌ثَلَاثًا ) (رواه مسلم) ، فهو إذًا يقيم ثلاث ليال بعد قضاء نسكه ولم ‏يطف طواف الوداع؛ لأنه إنما يطوفه بعد أن يقضي بمكة ما شاء أن يقضي ثلاثة أيام؛ لذلك قلنا: ‏هو واجب وليس بنسك، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة).‏

وللحديث بقية -إن شاء الله-.