شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تأملات في اسم الله الجبار (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وإذا ما استحضر العبد هذه المشاهد؛ شهد عدل الله -عز وجل- وحكمته في وضع الأشياء في مواضعها، فهو -سبحانه- أعلم بالظالمين، وأعلم بالشاكرين، فلا يضع الله -سبحانه وتعالى- البذرة الطيبة في الأرض الخبيثة، فالقلوب الخبيثة لا تناسبها الأعمال والأقوال الطيبة ( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) (النور:26) ، فالطيبات من الأعمال والأقوال للطيبين من الناس، فلا يُهدى إنسان خبيث لعمل أو قول طيب ( الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ) (النور:26) .

فيشهد أهل الإيمان حكمة الله -عز وجل- وعدله، ويرون فضله، فيخافون على أنفسهم ويرجون فضل ربهم -سبحانه وتعالى-، وإذا ما رأوا جبروت الطغاة والكافرين؛ علموا أن الجبروت والعظمة لله وحده، فلا يتجبرون؛ إذ لا يوصف المؤمن بهذه الصفة أو يُسمى بهذا الاسم أبدًا.

اسم "الجبار" ومعنى ثانٍ لهذا الاسم:

وأما المعنى الثاني من معاني هذا الاسم فهو معنى: جبر الكسر وإصلاحه، فهو -سبحانه- الذي يجبر كل ذليل وكسير مما ألم به، ويصلح شأن كل محتاج وفقير.

معاملة اسم الجبار -بمعناه الثاني- بما يقتضيه من فعل العبد:

ويحسن بالعباد أن يتصفوا بهذا المعنى بما يليق بهم منه، كما يحسن بهم أن يتصفوا بصفة الرحمة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) (رواه الإمام أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وكما يحسن بالعبد أن يتصف من الطهارة بما يليق به في دعاء العبادة لاسم الله "القدوس"، فما يليق بالرب لا يمكن أن يرقى إليه مخلوق.

شهود آثار اسم الله "الجبار" بمعناه الثاني:

إذا ما استحضر العبد معاني هذا الاسم؛ انكسر لله بأنواع الانكسار كلها، وشهد حاجته وفاقته الشديدة إلى ربوبية الله -عز وجل- وألوهيته، فالعبد فقير إلى ربه في الهواء الذي يتنفسه، وفي شرابه الذي يشربه، وفي طعامه الذي يأكله، بل في كل نفس من أنفاس حياته، والله وحده هو الذي يجبر هذه الحاجة وهذا الضعف والعجز بفضله ومنِّه-سبحانه وتعالى-.

وهو يحتاج إلى الله -عز وجل- خالقًا رازقًا، فيحتاج أن يحب الله، ففي القلب حاجة وفاقة لا يسدها إلا التعبد والتأله لله -عز وجل- وحده لا شريك له.

فإذا ما استحضر العبد ذلك واستحضر أنه فقير إلى الهداية والتوفيق والإعانة على العبادة من الله؛ انكسر ولم يتعزز بطاعة أو بمنزلة أو حال، ولم ير لنفسه فضلاً على غيره، فضلاً عن أن يرى لنفسه فضلاً على الله -عز وجل- تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، ففي فاقته إلى الربوبية والألوهية، إلى الرب والإله، إلى الرزق والعبادة انكساره وتذللـه لله، فيجبر الله كسره.

وإذا ما استحضر العبد المؤمن أنه يخطئ بالليل والنهار كما جاء في الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) (رواه مسلم) ، ورأى معاصيه ورأى نعم الله عليه؛ فذلك يكسره انكسارًا ناشئًا عن شهود كثرة الذنوب والمعاصي، واستحضار نعم الله المنهمرة المتتابعة.

انكسار ناشئ عن الحاجة والفقر:

يجبر الله -عز وجل- انكسار العبد إذا ما قال العبد: "رب اغفر لي وتب علي" فيقيل الله عثرته، ويقبل اعتذاره وتوبته.

وهناك انكسار يجبره الله للعبد بحبه لربه -عز وجل-، فيجبره الله بأعلى ما يجبر به عبد، وذلك بأن يكون محبوبًا عند الله -عز وجل-، إذا أتبع حبه لله -عز وجل- بطاعة نبيه -صلى الله عليه وسلم- : ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم ) (آل عمران:31) .

وبهذا يتحقق كمال العبودية، ومَن لا يرى فاقته وحاجته، ولا يشعر بالذل والانكسار لله -سبحانه وتعالى-، ولا يرى ذنوبه، أو لا يستشعر حبه لربه؛ فهو في خطر عظيم، فإن لم يكن هلك؛ فهو على شفا الهلكة.

الله يحب ذاته وأسماءه وصفاته:

فهو -عز وجل- يكسر عبده الذي يتعزز بعلم أو بعمل أو بمنزلة إما بمصيبة أو بأمر مؤلم أو بفوات مصلحة، ثم يجبر كسره.

الله -سبحانه- يحب أن يجبُر عباده:

ففي غزوة "أحد" تعزز المسلمون بما وقع يوم "بدر"، وظنوا أنهم منصورون في كل معركة، فكسرهم الله -عز وجل- بالهزيمة؛ ليتوبوا إليه خضوعًا وذلاًّ، فيجبرهم الله -عز وجل-، فكذلك المصائب تكسر الإنسان، فإذا استشعر العبد أنها مِن عند الله -عز وجل- فصبر واحتسب؛ جبر الله مصيبته، وأصلح عيبه، وأعطاه خيرًا مما فقد منه، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- فوائد غزوة "أحد" (زاد المعاد) .

وكذلك ما حدث في غزوة "حنين"، فإن نفوسًا ضعيفة تعاظمت بالفتح وشعرت بالقوة، وخرج مَن يقول: "لن نغلب اليوم من قلة"! فقال الله -عز وجل-: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ) (التوبة:25) .

فحصل الانكسار في أول المعركة، وفي آخرها جبر الله المؤمنين، وهذا فضله ورحمته بعباده -عز وجل-؛ إذ يبتليهم بالمصائب فيكسرهم، ثم يجبر كل كسير.

الصفحة السابقة