شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (7) بعض الحِكَم التي تضمنها "صلح الحديبية" (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

سبق وأن ذكرنا النوع الثاني مِن الكفار الذين لا يجوز قتلهم، وتثبت لهم عصمة الدم بالعهد الذي يكون بيْن المسلمين وبينهم، وهو العهد المقيَّد بالمدة، وهو الذي فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- في "الحديبية"، وقد سبق أن ذكرنا حديثها.

ونذكر جملة مِن الحِكَم التي تضمنتها هذه الهدنة.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله-: "وهي أكبرُ وأجَلُّ مِن أن يُحيط بها إلا اللهُ الذي أحكم أسبابهَا، فوقعت الغايةُ على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمدُه.

فمنها: أنها كانت مُقَدِّمةً بيْن يدي الفتح الأعظم الذي أعزَّ اللهُ بهِ رسولَه وجندَه، ودخل الناس به في دين الله أفواجًا، فكانت هذه الهُدنة بابًا له، ومفتاحًا، ومؤذِنًا بيْن يديه، وهذه عادةُ الله -سبحانه- في الأُمور العظام التي يقضيها قدرًا وشرعًا، أن يُوطِّئَ لها بيْن يديها مقدمات وتوطئات، تُؤذِنُ بها، وتدُلُّ عليها.

ومنها: أن هذه الهُدنة كانت مِن أعظم الفُتوح، فإن الناسَ أمِنَ بعضُهم بعضًا، واختلطَ المسلمون بالكفار، وبادءوهم بالدعوة، وأسمعوهم القُرآن، وناظرُوهم على الإسلام جهرةً آمنين، وظهر مَن كان مختفيًا بالإسلام، ودخل فيه في مُدة الهُدنة مَن شاء الله أن يدخل، ولهذا سماه الله "فَتْحًا مُّبِينًا". قال ابن قتيبة: قضينا لك قضاءً عظيمًا، وقال مجاهد: هو ما قضى الله له بالحُديبية.

وحقيقة الأمر: أن الفتح في اللُّغة فتحُ المغلَق، والصلح الذي حصل مع المشركين بالحديبية كان مسدودًا مُغلقًا حتى فتحه الله، وكان مِن أسباب فتحه صدُّ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِهِ عن البيت، وكان في الصورة الظاهرة ضيمًا وهضمًا للمسلمين، وفي الباطن عزًّا وفتحًا ونصرًا، وكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر إلى ما وراءَهُ مِن الفتح العظيم والعزِّ والنصرِ مِن وراء ستر رقيق، وكان يُعطي المشركين كلَّ ما سألوه مِن الشروط التي لم يحتملها أكثر أصحابه ورءُوسهم، وهو -صلى الله عليه وسلم- يعلم ما في ضمن هذا المكروه مِن محبوب: ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ) (البقرة:216) .

وَرُبَّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النُّفُوسِ إلى مـَحْبوبِهَا سَبـَبًا مَا مِثْلُه سَبـَـبُ

فكان يَدْخُلُ على تلك الشروط دخولَ واثِق بنصر الله له وتأييده، وأن العاقِبةَ له، وأن تلك الشروطَ واحتمالها هو عَيْنُ النصرة، وهو مِن أكبر الجند الذي أقامه المشترطون، ونصبُوه لحربهم، وهم لا يشعرون؛ فذلوا مِن حيث طلبوا العز، وقُهِرُوا من حيثُ أظهروا القدرة والفخر والغلبة، وعزَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وعساكِرُ الإسلام مِن حيث انكسروا لله، واحتملُوا الضَّيْم له وفيهِ، فدار الدَّورُ، وانعكس الأمرُ، وانقلب العِزُّ بالباطل ذُلًا بحقٍ، وانقلبت الكَسرة لله عزًّا باللهِ، وظهرت حِكمة اللهِ وآياتُه، وتصديقُ وعده، ونصرةُ رسوله على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها التي لا اقتراح للعقول وراءها.

ومنها: ما سبَّبه -سبحانه- للمؤمنين مِن زيادة الإيمان والإذعانِ، والانقيادِ على ما أحبوا وكرهوا، وما حصل لهم في ذلك مِن الرضا بقضاء الله، وتصديقِ موعوده، وانتظارِ ما وُعِدُوا به، وشهودِ مِنَّة الله ونِعْمتهِ عليهم بالسَّكِينةِ التي أنزلها في قُلوبهم، أحوج ما كانوا إليها في تلك الحال التي تُزَعْزَعُ لها الجبالُ، فأنزل الله عليهم مِن سكينته ما اطمأنت به قلوبُهم، وقويت به نفُوسُهم، وازدادوا به إيمانًا.

ومنها: أنه -سبحانه- جعل هذا الحكم الذي حكم به لِرسوله وللمؤمنين سببًا لما ذكره مِن المغفرة لرسوله ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، ولإتمام نِعمتهِ عليه، ولهدايته الصراطَ المستقيم، ونصرِهِ النصر العزيز، ورضاه به، ودخولهِ تحته، وانشراحِ صدره به مع ما فيه مِن الضيم، وإعطاءِ ما سألوه، كان مِن الأسباب التي نال بها الرسولُ وأصحابُه ذلك، ولهذا ذكره الله -سبحانه- جَزَاءً وغاية، وإنما يكون ذلك على فِعلٍ قام بالرسول والمؤمنين عند حكمِهِ -تعالى- وفتحِهِ.

وتأمل كيف وصفَ -سبحانه- النصرَ بأنه عزيزٌ في هذا الموطن، ثم ذكر إنزالَ السكينة في قلوبِ المؤمنين في هذا الموطنِ الذي اضطربت فيهِ القلوبُ، وقَلِقَتْ أشدَّ القلق، فهي أحوجُ ما كانت إلى السكينةِ، فازدادوا بها إيمانًا إلى إيمانهم، ثم ذكر -سبحانه- بَيْعتَهم لِرسوله، وأكَّدها بكونها بَيْعةً له -سبحانه-، وأن يَده -تعالى- كانت فوقَ أيديهم؛ إذ كانت يدُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك، وهو رسولُه ونبيُّه، فالعقدُ معه عقدٌ مع مُرْسِلِهِ، وبَيْعته بيعته، فمَن بايعه، فكأنما بايع الله، ويدُ الله فوقَ يده، وإذا كان الحجرُ الأسودُ يمينَ الله في الأرض، فمَن صافحه وقبَّله، فكأنما صافح الله، وقبَّل يمينه، فيدُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى بهذا مِن الحَجَر الأسود، ثم أخبر أن ناكِثَ هذه البيعة إنما يعود نكثُه على نفسه، وأن للمُوَفِّي بها أجرًا عظيمًا، فَكُلُّ مؤمن فقد بايع الله على لسان رسوله بَيْعة على الإسلام وحقوقه، فناكِث ومُوفٍ.

ثم ذكرَ حالَ مَن تخلَّفَ عنه مِن الأعراب، وظنهم أسوأ الظَّنِّ باللهِ أنَّهُ يخذُل رسولَه وأولياءَه وجندَه، ويُظْفِرُ بهم عَدُوَّهم، فلن ينقلبوا إلى أهليهم، وذلك مِن جهلهم بالله وأسمائِهِ وصِفاتِه، وما يليق به، وجهلهم برسوله وما هُوَ أهل أن يُعامِلَه به ربُّه ومولاه.

ثم أخبر -سبحانه- عن رضاه عن المؤمنين بدخولهم تحت البَيْعة لرسوله، وأنه -سبحانه- عَلِم ما في قلوبهم حينئذٍ مِن الصدق والوفاء، وكمال الانقياد، والطاعة، وإيثار الله ورسولِهِ على ما سواهُ، فأنزل الله السكينةَ والطمأنينة، والرضا في قلوبهم، وأثابهم على الرضا بحُكمه، والصبرِ لأمره فتحًا قريبًا، ومغانِمَ كثيرة يأخذونها، وكان أولُ الفتح والمغانم فتحَ خَيْبَرَ ومغانمها، ثم استمرت الفتوحُ والمغانمُ إلى انقضاء الدهر.

الصفحة التالية