الوصايا النبوية (40) الوصية بذكر الله بعد الصلاة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- (أعنِّي عَلَى ذِكْرَك): فلولا إعانة الله ما وفَّق العبد إلى أداء الصلاة التي فرغ منها، ولا لغيرها من الخير: عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: لَمَّا كان يوم الأحزاب، وخَنْدَقَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رأيته ينقل من تراب الخندق، حتَّى وارى عنِّي الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: ( اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إِنَّ الْأُولَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ) قال: ثمَّ يمدُّ صوته بآخرها (متفق عليه) .
- (وَعَلَى شُكْرِك): وتكون بالقول، وبالفعل، وبالقلب، على النعم التي لا تحصى: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النحل: 18) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (إبراهيم: 7) .
- (وحُسْن عِبَادَتِك): ولم يقل: (وكثرة)، تنبيهًا على الإتقان، وإلَّا فالكثرة مع عدم الإحسان لا قيمة لها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ) (رواه البخاري) ؛ ولذا قال -تعالى-: ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) (الملك: 2) .
- ومن حُسْنِ العِبَادَةِ التجرُّد عند العبادة عن كلِّ ما يُشْغِل عن الله -عز وجل-، والإخلاص فيها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ ) (رواه أحمد، والترمذي).
خاتمة:
- وصية عظيمة ما أحوجنا إليها؛ لا سيَّما في هذا الزمان الذي ابتعد فيه كثير من الناس عن الذِّكر بأسباب كثيرة، ومن أكثرها شيوعًا وسائل الاتِّصالات الحديثة: قال: ( : أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ).
فَاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وكان معاذ -رضي الله عنه- من النبي -صلى الله عليه وسلم- بمنزلة علية؛ فإنَّه قال له: يا معاذ والله إنِّي لأحبُّك. وكان يردفه وراءه. وروي فيه: أنَّه أعلم الأمَّة بالحلال والحرام، وأنَّه: يحشر أمام العلماء برتوة -أي: بخطوة-.
ومن فضله: أنَّه بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- مبلغًا عنه، داعيًا، ومفقِّهًا، ومفتيًا، وحاكمًا إلى أهل اليمن. وكان يشبِّهه بإبراهيم الخليل -عليه السلام-، وإبراهيم إمام الناس، وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: إنَّ معاذًا كان أمَّة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين" (مجموع الفتاوى) .
