شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (235) بناء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- البيت ‏وتأذينه في ‏الناس بالحج (18)‏

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وقال -تعالى-: ( ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (البقرة: ???) ، وليس المراد به حضور نفس موضع الصلاة اتفاقًا، وإنما هو حضور الحرم والقربُ منه، وسياق آية الحج يدل على ذلك فإنه قال: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) (الحج: ??) ، وهذا لا يختص مكان الصلاة قطعًا، بل المراد: الحرم كلُّه، فالذي جعله للناس سواءً العاكفُ فيه والباد هو الذي توعَّد مَن صدَّ عنه ومن أراد الإلحاد بالظلم فيه، فالحرم ومشاعره: كالصفا والمروة، والمسعى، ومنًى وعرفةَ ومزدلفةَ، لا يختص بها أحد دون أحد، بل هي مشتركة بين الناس؛ إذ هي محل نسكهم ومتعبَّدهم، فهي مسجد من الله وقَفَه ووضعه لخلقه، ولهذا امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُبنى له بيت بمنًى يُظِلُّه من الحر وقال: "منًى مناخ من سبق" ( قلتُ: ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ) .

قال: ولهذا ذهب جمهور الأئمة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارةُ بيوتها؛ هذا مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالكٍ في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيانَ الثوري والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وإسحاق بن راهويه.

وروى الإمام أحمد عن علقمة بن نضلة قال: "كانت رِباع مكة تُدعى السوائب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر؛ من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن" (أخرجه ابن بي شيبة وابن ماجه والدارقطني بإسناد صحيح عن علقمة، وهو مرسل فإن علقمة تابعي صغير لم يدرك زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا زمن أبي بكر وعمر) .

وروي أيضًا عن عبد الله بن عمر: "من أكل أجور بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نار جهنم" (أخرجه أبو عبيد في الأموال وابن أبي شيبة والدارقطني عن عبد الله بن عمر موقوفًا، وهذا الإسناد لا بأس به) .

ورواه الدارقطني مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه: "إن الله حرم مكة، فحرام بيعُ رِباعها وأكلُ ثمنها" (إسناده ضعيف، قال الدارقطني: وهم في رفعه فهو موقوف) .

وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد أنهم قالوا: يكره أن تباع رِباعُ مكة أو تُكرى بيوتها.

وذكر أحمد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: من أكل من كراء بيوت مكة فإنما يأكل في بطنه نارًا.

وقال أحمد: حدثنا هشيم، بسنده عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر قال: "نُهي عن إجارة بيوت أهل مكة وعن بيع رِباعها" (إسناده فيه مقال) .

وذكر عن عطاء قال: نهي عن إجارة بيوت أهل مكة.

وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، قال: حدثنا عبد الملك، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير أهل مكة ينهاهم عن إجارة بيوت مكة، وقال: إنه حرام. ( قلتُ: وهذا قد روي عن عمر بن عبد العزيز من وجوه كثيرة).

إلى أن قال: "قال المجوزون للبيع والإجارة: الدليل على جواز ذلك: كتابُ الله، وسنة رسوله، وعمل أصحابه وخلفائه الراشدين؛ قال الله -تعالى-: ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) (الحشر: ?) ، وقال: ( فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ) (آل عمران: ???) ، وقال: ( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ) (الممتحنة: ?) ، فأضاف الدور إليهم، وهذه إضافة تمليك.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد قيل له: أين تنزل غدًا بدارك من مكة؟ فقال: ( وهل ترك لنا عَقِيل من رِباع؟! )، ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة، وأخبر أن عقيلًا استولى عليها، ولم ينزعها من يده.

وإضافة دورهم إليهم في الأحاديث أكثر من أن يُذكَر، كدار أم هانئ ودار خديجة ودار أبي أحمد بن جحش وغيرها، فكانوا يتوارثونها كما يتوارثون المنقول، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟ )، وكان عقيل هو ورث أبا طالبٍ دُورَه، فإنه كان كافرًا ولم يرثه عليٌّ لاختلاف الدين بينهما، فاستولى عقيل على الدور. ولم يزالوا قبل الهجرة وبعدها، بل قبل المبعث وبعده، من مات وَرِث ورثتُه دارَه، وإلى الآن.

وقد باع صفوان بن أمية دارًا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم فاتخذها سجنًا.

وإذا جاز البيع والميراث فالإجارة أجوَز وأجوز.

فهذا موقف أقدام الفريقين كما ترى، وحججهم في القوة والظهور لا تُدفَع، وحجج الله وبيناته لا يُبطل بعضُها بعضًا، بل يصدق بعضها بعضًا، ويجب العمل بموجَبها كلِّها، والواجب اتباع الحق أين كان، فالصواب: القول بموجب الأدلة من الجانبين وأن الدور تملك وتوهب وتورث وتباع، ويكون نقل الملك في البناء لا في الأرض والعرصة، فلو زال بناؤه لم يكن له أن يبيع الأرض، وله أن يبنيها ويعيدها كما كانت، وهو أحق بها يَسكنها ويُسكن فيها من شاء، وليس له أن يُعاوِض على منفعة السكنى بعقد الإجارة، فإن هذه المنفعة إنما استحق أن يتقدّم فيها على غيره ويختص بها لسَبْقه وحاجته، فإذا استغنى عنها لم يكن له أن يعاوض عليها، كالجلوس في الرحاب والطرق الواسعة والإقامةِ على المعدن وغيرِها من المنافع والأعيان المشتركة التي من سبق إليها فهو أحقُّ بها ما دام ينتفع، فإذا استغنى لم يكن له أن يعاوض، وقد صرَّح أرباب هذا القول بأن البيع ونقل الملك في رباعها إنما يقع على البناء لا على الأرض، ذكره أصحاب أبي حنيفة" (انتهى من زاد المعاد) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة