آداب تلاوة القرآن الكريم (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
أما طريقة الإدارة في التلاوة، أي: أن يقرأ كل واحد مقطعًا، ثم يقرأ الآخر، فهذه طريقة مكروهة، وبعضهم يقول: مبتدعة؛ إلا في مقام التعليم، يعني التعليم عند شيخ يأمر شخصًا أن يقرأ، ثم يأمر الآخر، وهكذا الثالث والرابع، أو في التحفيظ -مثلًا- يسمع الأول ثم الثاني ثم الثالث، لكن إذا اجتمعوا مجموعة في المسجد، فإن السُّنة أن يقرأ واحد منهم مثل أن يكون أنداهم صوتًا، أو أفضلهم قراءة، ويستمع الباقون.
7- تحسين الصوت:
وكذلك من آداب التلاوة: تحسين الصوت بالقرآن؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا ) (رواه الحاكم في المستدرك، وصححه الألباني) . وفي رواية: ( حُسْنُ الصَّوْتِ زَيْنَةُ الْقُرْآنِ ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني) . وتحسين الصوت: تجميله، وتزيينه، والاعتناء به، والإبداع فيه.
8- التغني بالقراءة:
وكذلك من آداب التلاوة: أن يتغنى بالقرآن، وهذا تابع لما ذكرناه قبل قليل من تحسين الصوت به؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ ) (متفق عليه) ، فالتغني بالقرآن من آداب التلاوة ومستحباتها. ومعنى التغني: تحسين الصوت.
9- ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام:
ومن آداب تلاوة القرآن : ألا يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: "إسناده صحيح على شرط الشيخين") .
10- التلاوة بين الجهر والإسرار:
أما الجهر بالقرآن، فقد ورد فيه أحاديث، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ -يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ- يَجْهَرُ بِهِ ) (متفق عليه) .
ومن الجهة الأخرى ورد قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وقال الألباني: "إسناده صحيح") .
قال النووي -رحمه الله-: "الجمع بينهما أن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، كالداخلين إلى المسجد يصلون تحية المسجد أو السنة الراتبة، وواحد يقرأ القرآن، فإذا جهر هذا الذي يقرأ لبَّس على المصلين بجواره، فيكون الإسرار أفضل، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، فيه رفع للصوت، وبذل طاقة وجهد، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه" (التبيان في آداب حملة القرآن) .
يعني: إذا رفع صوته يكون أجمع لقلبه على القراءة، وأطرد للشيطان، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط. وأما إذا وصل إلى الإزعاج والتشويش، فإنه ينطبق عليه ما جاء في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وكان أبو بكر -رضي الله عنه- يسر، وعمر -رضي الله عنه- يجهر، فسئل عمر -رضي الله عنه-، فقال: ( أَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، وَأُوقِظُ الْوِسْنَانَ )، أي: النعسان، فأمر أبو بكر -رضي الله عنه- أن يرفع شيئًا، وأمر عمر -رضي الله عنه- أن يخفض شيئًا (تفسير القرآن العظيم) .
11- القراءة من المصحف إذا لم يشغل عن التدبر:
وهنا مسألة: أيهما أفضل للتالي: أن يقرأ من المصحف أو يقرأ من حفظه؟
والأقرب: أن القراءة من المصحف أفضل؛ لأن النظر فيه عبادة، فيجتمع القراءة والنظر، وأن استعمال الحاسة -حاسة العين- زيادة على اللسان، وإخراج الصوت؛ هذا الاستعمال لهذه الحاسة فيه أجر زائد عن عدم استخدام هذه الحاسة. ولا شك أنه قد ثبت عن بعض الصحابة كعثمان -رضي الله عنه- أنه كان يقرأ في المصحف، حتى قيل: إنه خرق مصحفين، أي: من كثرة استعماله للمصحف تخرق المصحف، وأخذ مصحفًا آخر.
وقال النووي -رحمه الله-: "إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من القراءة في المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، قال: وهو مراد السلف" (التبيان في آداب حملة القرآن) .
قلتُ: وعلى ذلك فالقراءة من المصحف أفضل من الهاتف ونحوه -بلا شك-. وللحافظ أن يقرأ من حفظه في قيام الليل والنوافل.
12- سجود التلاوة:
كذلك من آداب التلاوة: أنه إذا مَرَّ بسجدة للتلاوة سجد، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- بالوجوب، وأن الكفار يندمون على عدم السجود، وأنه لا يندم إلا على ترك واجب، وقول الجمهور هو القول الراجح إن شاء الله، أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب. والأفضل إذا أراد أن يسجد أن يكون من قيام.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "الأفضل أن يكون في حال القيام، لقول الله -تعالى-: ( يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ) (الإسراء: 107) " (مجموع الفتاوى) .
13- الجلوس بأدب عند قراءة القرآن:
ومن آداب التلاوة أيضًا: أنه ينبغي عليه أن يكون في حال القراءة على هيئة الأدب ما أمكنه، فيجلس جلسة المتخشع، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كَانَ يَتَرَبَّعُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ) (رواه مسلم) .
ويجوز له أن يقرأ القرآن قاعدًا وواقفًا وماشيًا ومضطجعًا؛ لأن الله -تعالى- قال: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (آل عمران: 191) .
نفعنا الله وإياكم بالقرآن العظيم.
