شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (238) بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم البيت وتأذينه في الناس بالحج (21)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فمن عبد غير الله فهو كافر ولو زعم التوحيد والإيمان بالبعث؛ فإن التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له على ما جاءت به الرسل، والإيمان باليوم الآخر هو الإيمان به على ما جاءت به الرسل؛ قال -سبحانه-: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة: 29) ، فرغم أن أهل الكتاب يقرون بالآخرة، لكن لما خالفوا في ذلك ما جاءت به الرسل خاصة محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا بمؤمنين بالله ولا باليوم الآخر؛ ولذلك لا يصح القول بأن مَن أقر بالبعث على أي وجه كان ولو كان مع قوله بتعدد الآلهة فهو مؤمن الله واليوم الآخر، بل هذا ضلال مبين.

وقد جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصدقًا لدعوة إبراهيم، محييًا لها بعد اندثارها، إلا قلة من أهل الكتاب كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ ‌عَرَبَهُمْ ‌وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) (رواه مسلم) ، وأرسل -صلى الله عليه وسلم- مصدقًا لما جاء به موسى وعيسى -صلى الله عليهما وسلم-، كما في التوراة إلى اليوم في أول الوصايا العشر: "الرب إلهنا رب واحد رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب". وفي الإنجيل عندما سألوا المسيح -صلى الله عليه وسلم-: "أيها المعلم: أي الوصايا هي أول الكل؟ قال: كما هو مكتوب -أي: في التوراة-: الرب إلهنا رب واحد رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك".

فذنب الشرك هو أخطر ذنب على البشرية كلها، وهو سبب مقت الله لكل من أشرك مهما كان؛ قال -سبحانه وتعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ) (النساء: 48) .

فمن بلغته دعوة الرسل ثم مات مشركًا دخل النار كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ ‌لَا ‌يُشْرِكُ ‌بِاللهِ ‌شَيْئًا ‌دَخَلَ ‌الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم من حديث جابر، ورواه البخاري من حديث ابن مسعود، وجعل الجملة الثانية: "ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة"، من قول ابن مسعود -رضي الله عنه-، وهي مرفوعة -بلا شك-).

وهذا الذي قاله أيضًا عيسى ابن مريم -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة: 72) .

وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: ( ‌أَنْ ‌تَجْعَلَ ‌لِلهِ ‌نِدًّا ‌وَهُوَ ‌خَلَقَكَ ) (متفق عليه . وهذا يشمل أن يجعل لله ندًّا في الربوبية، أو ندًّا في الألوهية، أو ندًّا في الأسماء والصفات، وقد قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان: 13) .

أعوذ بالله أن نشرك به شيئًا نعلمه، ونستغفره لما لا نعلمه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

الصفحة السابقة