شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدعوة السلفية والعمل السياسي (1) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

إخوة الإسلام.. لم يعد يكفي الإجمال فالكل يتكلم في هذه القضايا، لا يكفي أن نقول الآن نحن شعارنا الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة، ما هو سلف الأمة في هذه القضايا؟ ما هو موقف أهل السنة والجماعة في قضايا تغيير الواقع؟ في هذه مسائل السياسة الشرعية في الحكم والإمارة والرياسة والملك؟ في الحرب والسلم؟ ما ستصنعون في كل هذه القضايا؟

كل هذه المسائل لم يعد يكفي فيها الإجمال، لا بد أن يكون عند كل مسلم ومسلمة أصولًا كلية، وإن كانت هناك فروع دقيقة في كل باب يدركها المتخصصون، لكن لا بد وأن يكون هناك معرفة بقدرٍ من التفصيل في المشروع الإسلامي في الجملة؛ لأن عدم العلم بذلك يفتح أبوابًا خطيرة من الفتن؛ منها: عدم الانتباه لمحاولات البعض تسمية الواقع المخالف للإسلام باسم الإسلام دون تغيير جوهري لهذه المخالفات، وهذا أخطر من المخالفة الصريحة المعلنة للإسلام؛ لأن من يتكلَّم باسم الدِّين سيحبه الناس وربما يقدمونه؛ لأنه من المنتسبين إلى التيارات الإسلامية، وإذا قارنوها بالعلمانية والليبرالية عدوه انتصارًا أكيدًا لأهل الإسلام، فيتحول الأمر -بسبب سوء القصد، أو بسبب قلة العلم وعدم التمييز بين درجات المصالح والمفاسد- إلى قبول الواقع غير الإسلامي، وتوصيفه بأنه صار إسلاميًّا، وأن المطلوب هو إضافة كلمة إسلامي للاسم، ويبقى المسمى على ما هو عليه!

وأظن أن المنافقين والزنادقة والكفار -الذين كانوا منذ فترة وجيزة يعلنون أنهم يريدون تغيير المادة الثانية من الدستور وإلغاء مرجعية الشريعة- فهموا هذه المسألة؛ فغيَّروا من أسلوبهم في محاربة الشريعة، وبدأوا يقبلون ببعض المظاهر الإسلامية دون التطبيق الحقيقي لها، كما يحدث في أمريكا؛ تجد الدساتير تنص على احترام الدِّين ثم لا يُطَبَّق منه شيء ويكتفَى بالمظاهر! فهم مثلًا في افتتاح الكونجرس يقدمون حاخامًا يقرأ جزءًا من التوراة ثم قسيسًا يقرأ جزءًا من الإنجيل، وليس عندهم مانع من تقديم شيخ يقرأ جزءًا من القرآن، وبعد ذلك لا يكون لما يقرؤون أثر فيما يتخذونه من قرارات، ومن تلك المظاهر أنهم كتبوا على الدولار الأمريكي عبارة " we trust in God "؛ أي: نثق بالله أو نتوكل على الله، هذا الذي يريدون أن يصل المسلمون إليه.

وبالطبع نحن لا نتهم الجميع بسوء النية، وتعمد الصد عن سبيل الله وحرب الشريعة عن طريق المكر، لكن بعضهم حسنت نيته؛ فاكتفى بمجرد تغيير الأسماء دون الحقائق، استجابة لضغوط خارجية وداخلية تحت مسمَّى: مراعاة المصلحة، في حين لا يدري هذا القائم في مواجهة الضغوط الموازين الشرعية لاعتبار المصالح والمفاسد، وإلا فباب المصلحة والمفسدة باب في غاية الخطورة لا بد من التحاكم فيه إلى الشرع، وإلا فالمنافقون والزنادقة يقولون: ( إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ) ( النساء: 62) ، ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ( البقرة: 11) ، فهم جميعًا يقولون: المصلحة!

أعود فأقول: إننا نؤكِّد على مسألة شمول الإسلام لكل نواحي الحياة، وضرورة معرفة المنهج الإسلامي لكل نواحي الحياة، وضرورة معرفة المنهج الإسلامي في هذه النواحي بشيء من التفصيل، وبكل التفصيل عند متخصصين في كل الجوانب، ونضرب لذلك مثلًا: بالطالب الحاصل على شهادة الثانوية العامة؛ لا بد لكي يكون مؤهلًا لدخول الجامعة أن يكون قد حصَّل علومًا معينة، هذا حد أدنى، ثم يتخصص بعد ذلك في كلية معينة، فيحصِّل قدرًا أعمق من التفاصيل، ثم يتخصص بعد ذلك في قسم خاص، ثم بعد ذلك في رسالة خاصة، وبند خاص، وهكذا.

فعلينا أن نحصِّل قدرًا كافيًا من التفصيل بحيث نستطيع الدِّفَاع عن ديننا؛ فنحن في كل يوم فيما يشبه المعركة، وكل مَن هَبَّ ودَبَّ يتكلَّم في أخطر الأمور، فإذا كنتَ في كل مرة تكتفي بالإجمال؛ فلن يجدي دفاعك عن منهجك، بل لا بد أن تكون عالمًا بهذا التفصيل.

الصفحة السابقة