شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (243) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (26)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (الحج: 25-29) .

تكملة الفائدة الثامنة في الأحاديث الواردة عن تطهير المساجد من أن تبنى على القبور أو تتخذ فيها القبور:

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة بين القبور" (رواه البزار في مسنده بسندٍ رجاله رجال الصحيح) . وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ) (رواه البخاري ومسلم) .

وعن علي زين العابدين بن الحسين -رضي الله عنهما-: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيدخل فيها ويدعو، فدعاه فقال: ألا أحدثك بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ وتَسْلِيمَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ ) (رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده، كما ذكر ذلك الشيخ الألباني في كتابه: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) . وهذا حديث مسلسل بأئمة أهل البيت.

وفيه فائدة عظيمة: أن تخصيص القبر بالدعاء عنده وداخله، هو مِن اتخاذ القبر عيدًا. ومعنى: لا تتخذوا بيوتكم قبورًا يشمل أحد معنيين: الأول: لا تجعلوها قبورًا بترك الصلاة فيها؛ لأن القبور لا يُصلَّى فيها. والمعنى الثاني: لا تدفنوا في البيوت، وادفنوا في مقابر المسلمين؛ إلا ما كان من الأنبياء الذين يُدفنون حيث ماتوا، ودُفِن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجرة عائشة -رضي الله عنها-، ودفن أبو بكر وعمر بجواره لأجل فضيلة الدفن بجواره -عليه الصلاة والسلام-.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ ) (رواه أحمد في المسند، وهو شاهد للحديث الذي قبله، وحسنه الشيخ الألباني في تحذير الساجد) .

وعن سهيل بن أبي سهيل: أنه رأى قبرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فالتزمه ومَسَح، قال: فحصبني -أي رماني بالحصباء- حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَتَّخِذُوا بَيْتِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قَبْرًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي ) (رواه عبد الرزاق في المصنف، وهو مرسل صحيح يشهد له ما تقدَّم).

ورواه القاضي إسماعيل في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ أتم، وهو: عن سهيل قال: جئت أسلِّم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وحسن بن حسن يتعشى في بيت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- ( قلتُ: أي: عند قبره)، فدعاني فجاءته فقال: ادنُ (تعشَّ)، قال: قلت لا أريده، قال: ما لي أراك وقفت؟ قال: وقفت أسلم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: إذا دخلت المسجد فسلِّم عليه، ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ )، قال الشيخ الألباني: "حديث صحيح"؛ يعني بشواهده، وإلا فهو مرسل، لكنه صحيح بشواهده.

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ) وفي رواية عنه: ( اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا ) (رواه مسلم والبخاري والترمذي والنسائي) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ) (رواه مسلم، والترمذي وصححه) .

وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ألا أبعثك على ما بعثني عليه خليلي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا -(أي: مرتفعًا)- إِلَّا سَوَّيْتَهُ ) (رواه مسلم في باب الأمر بتسوية القبور، والترمذي في الجنائز) . وبمعناه وبسياق أتم: ما رواه أبو محمد الهذلي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فقال: "أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع فيها وثنًا إلا كسره، ولا قبرًا إلا سواه، ولا صورة إلا لطخها؟"، فقال رجل: أنا يا رسول الله، فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع، فقال علي: أنا أنطلق يا رسول الله. قال: "انطلق"، ثم رجع فقال: يا رسول الله لم أدع بها وثنًا إلا كسرته، ولا قبرًا إلا سويته، ولا صورة إلا لطختها، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ عَادَ لِصَنْعَةِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-"، ثم قال: "لا تكونن فتَّانًا ولا مختالًا، ولا تاجرًا إلا تجارةَ خَيْر؛ فَإِنَّ أولئك هُمْ المَسْبُوقون بالعمل" (رواه أحمد بسند ضعيف، ويشهد لجزء التسوية ما قبله، وأيضًا ما يأتي بعده) .

ومعنى فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو: إما بمعنى الكفر الأصغر إذا لم يَعبد القبور التي في المساجد. وإما بمعنى أنه يؤول إلى الكفر ويصير إليه؛ لأن اتخاذ القبور مساجد ذريعة تؤدي إلى الشرك -كما هو مشاهد وكما هو معلوم-.

وعن جرير بن حيان عن أبيه -ويكنى أبا الهياج الأسدي-: أن عليًا -رضي الله عنه- قال لأبيه: "لأبْعَثَنَّكَ فِيمَا بَعَثَنِي فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ‌أَنْ ‌أُسَوِّيَ ‌كُلَّ ‌قَبْرٍ، ‌وَأَنْ ‌أَطْمِسَ ‌كُلَّ ‌صَنَمٍ" (رواه أحمد في المسند ومسلم، وهو شاهد لما قبله) .

وللحديث بقية -إن شاء الله-.