فصل الشتاء في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيبدأ فصل الشتاء في النصف العلوي من الكرة الأرضية الذي فيه يقع العالم القديم (أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا) في يوم 21 ديسمبر من كل عام، وتكون خلاله الشمس متعامدة على نصف الكرة الأرضية الجنوبي.
ويسبق فصل الشتاء فصل الخريف بمناخه المتقلب، ويعقبه فصل الربيع بمناخه المعتدل. ويتسم فصل الشتاء هذا بظواهر ومظاهر متعددة جعلها الله -تعالى- تميزه عن باقي فصول العام، وهذه الظواهر والمظاهر هي من نعم الله -تعالى- على عباده، وفيها الدلائل على قدرة الله -تعالى- في الخلق والإيجاد، وفيها البرهان على قدرة الله -تعالى- على البعث والنشور بعد الموت.
وأشهر هذه الظواهر: نزول المطر وما يصحبه من سحب وضباب ورعد وبرق ورياح، مع برودة الجو. ولا شك في أن تنوع نزول المطر من فصل لآخر واختلاف درجات الحرارة من فصل لآخر يساعد على تنوع المزروعات والمحاصيل والنباتات بما يناسب احتياجات الناس ومعاشهم، فهناك مزروعات ومحاصيل تحتاج المياه الكثيرة، وأخرى تتحمل درجات الحرارة العالية وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات ومحاصيل تتحمل قلة المياه وأخرى تتحمل برودة الجو، وأخرى يضرها ذلك، وهناك مزروعات تتناسب مع البيئة الصحراوية في جفافها وتطرف مناخها، بشدة حرارة النهار وشدة برودة الليل، فتتحمل ما لا يتحمله غيرها من المزروعات. ومع تنوع المزروعات والمحاصيل من موسم إلى آخر ومن مكان إلى آخر يكون التكامل بالتبادل التجاري، مقايضة أو بيع وشراء، داخل الدولة الواحدة أو بين الدول المختلفة.
وهذا التنوع والتكامل هو من نعم الله -تعالى- على عباده، كما امتن بذلك الله -تعالى- على قريش في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ كان أهل مكة يمارسون هذه الصور من التجارة، فتخرج قوافلهم التجارية إلى اليمن في الشتاء وتخرج إلى الشام في الصيف، فتمد أهل مكة بما يحتاجون إليه في معاشهم من المزروعات والمنتجات مما يتوفر في اليمن أو الشام ولا يتوفر عندهم، وهي سنة الحياة منذ قديم الزمان إلى اليوم؛ قال الله -تعالى-: ( لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ . إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (قريش: 1-4) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: (قيل المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس لكونهم سكان الحرم، فمن عرفهم احترمهم).
وفي التفسير الميسر: (أي: من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله، الذي جمعهم بعد تفرق وألف بينهم بعد شتات، ويسر لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام).
وجاء في تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان) في قول الله -تعالى- (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ): (قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها) يعني سورة الفيل (أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، وفي الصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب. فأهلك الله من أرادهم بسوء، وعظم أمر الحرم وأهله في قلوب العرب حتى احترموهم، ولم يعترضوا لهم في أي سفر أرادوا، ولهذا أمرهم الله بالشكر فقال: ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ).
ومن أهم ظواهر الشتاء ومظاهره التي تناولها القرآن الكريم في الكثير من آياته التي يذكر بها عباده ويمتن بها عليهم، أو يعرفهم من خلالها على سننه الكونية وسننه الشرعية المرتبطة بها:
إنزال المطر:
إذ يكثر في فصل الشتاء نزول المطر، فهو من أهم مظاهر الشتاء وظواهره، ومع نزول المطر تتبدل الحياة وتتجدد، فلا قوام للحياة بدون الماء، فتمتلئ الأنهار بالمياه العذبة التي تجري بالماء على ظاهر الأرض لمسافات طويلة ولشهور عديدة، وتتسرب مياه إلى داخل الأرض فيتحول باطن الأرض إلى خزانات جوفية للماء العذب يأخذ منها الإنسان عند الحاجة من خلال الينابيع والآبار.
تنتفع بمياه هذه الأمطار الأرض في كل مكان، فتنبت وتخضر وتنتج أنواعها الكثيرة من النباتات والمحاصيل والأشجار بأشكال وألوان وطعم يختلف بعضها عن بعض بصور يصعب حصرها، وهي منة من الله عظيمة؛ إذ لا استمرار للحياة على الأرض إلا بها، إذ يأكل منها البشر على اختلاف ألوانهم، والحيوانات على اختلاف فصائلهم، والطيور بكل أنواعها، مما يستوجب قطعًا على العباد الشكر لله -تعالى- عليها، ويستحق بها إفراده وحده سبحانه و-تعالى- بالعبادة دون غيره.
وقد نبهت على تلك المعاني آيات قرآنية كثيرة:
ففي تكوين الأنهار والينابيع وإسكان ماء المطر في الأرض قال -تعالى-: ( أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (النمل: 61) ، وقال -تعالى-: ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ) (الكهف: 32-34) . وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ.. ) (الزمر: 21) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ) (الملك: 30) .
