فصل الشتاء في القرآن الكريم (1-2)
الشيخ علاء بكر • التزكية
وقد يمنع الله -تعالى- المطر أو يقلله عقوبة أو ابتلاء، فشرع للعباد مع التوبة والاستغفار صلاة الاستسقاء ودعاء الاستسقاء كأسباب شرعية لرفع هذه العقوبة أو هذا الابتلاء: قال -تعالى-: ( وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) (البقرة: 60) ، وقال -تعالى-: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (الأعراف: 160) . والاستسقاء: هو طلب السقيا، أي: المطر.
ومن رحمة الله بعباده أن يغيثهم برحمته إذا غلبتهم المجاعة أو القحط أو أصابهم نقص في الثمرات:
قال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ) (الشورى: 28) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ) (لقمان: 34) .
وإزاء هذه النعم الربانية جاءت السُّنة النبوية بصور من الذكر والدعاء، وهي شكر اللسان، إلى جانب شكر القلب والجوارح لهذه النعم: ففي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء (أي مطر) كانت من الليل، فلما انصرف (أي من صلاته أو مكانه) أقبل على الناس، فقال: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ( قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
قال ابن عثيمين -رحمه الله- في شرحه لرياض الصالحين: (وفي هذا الحديث نعرف أنه ينبغي للإنسان إذا جاء المطر أن يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته).
وفي هذا نزل قول الله -عز وجل- في سورة الواقعة: ( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ . وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) (الواقعة: 81-82) . أي: ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ): شكركم ( أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ): تكذبون بدل الشكر، تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا بنجم كذا وكذا. وعن مجاهد: ( وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) قال: قولهم في الأنواء مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا، يقول: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد. (انظر تفسير ابن كثير) .
وجاء في الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا رأى المطر قال: ( اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا ) (رواه البخاري) . والصَّيِّب: المطر الكثير، وقيل المطر الذي يجري ماؤه.
وفي دعاء الاستسقاء في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء: ( اللَّهُمَّ أَسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وعند أبي داود وحسنه الألباني -رحمه الله- في صحيح أبي داود عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قوله -صلى الله عليه وسلم- في دعاء الاستسقاء: ( اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيِّتَ ).
فإذا توقف نزول المطر بعد إجابة دعاء الاستسقاء كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الْآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
