الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (8) اسم الله (الجبار) (1) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- نماذج في الاتصاف بصفة جبر الرحمة والإصلاح: (النبي -صلى الله عليه وسلم- يتزوج من بعض أمهات المؤمنين جبرًا لخاطرها بعد وفاة زوجها لِما قدمت في الإسلام - الخليفة أبو بكر -رضي الله عنه- يخدم العجوز العمياء فيكنس لها الدار، ويطبخ لها الطعام جبرًا لكسرها وضعفها - عبد الله بن المبارك يطوف على بيوت الفقراء ليلًا فيضع الطعام على الأبواب من غير أن يعلموا به، وما علموا إلا بعد موته - وغيرهم وغيرهم الكثير ممَّن تحلوا بصفة الجبر بالرحمة).
- نموذج معاصر: حكى أحد الدعاة: (أن صديقًا له -طالبًا بجامعة أم القرى بمكة- كان ذاهبًا إلى الجامعة لأداء امتحان في مادة "النقد"، ومر بالسيارة قريبًا من الحرم، فاستوقفه أحد المعتمرين وسأله أن يوصله إلى مكان قسم الشرطة بالمنطقة، فحاول أن يعتذر له لئلا يتأخر عن امتحان مادة "النقد" التي يرسب فيها دائمًا، ومع إلحاح المعتمر أركبه وأوصله إلى أقرب مكان من مركز الشرطة، وفي الطريق فهم أن المعتمر قد ضاعت حافظته التي فيها ماله وهاتفه وجواز سفره، وهو منذ ثلاثة أيام يتكفف الناس، وأجهش المعتمر بالبكاء وهو يقول: "لقد تعبت جدًّا". يقول الداعي: فتأثر له صديقي وقال له مواسيًا: إن الذي جاء بك إلى هنا -سبحانه- لن يجعلك تذل لغيره، ولكن.. قم أنت بين يديه وتذلل له في بيته ولن يضيعك. قال: ثم أخرج صديقي ما معه في جيبه من مال فكانت (83 ريالًا) فأعطاها للمعتمر وأنزله قرب مكان حاجته. وانطلق إلى الجامعة وأدى الامتحان وكان كالعادة لا يحسن الإجابة في هذه المادة. وبعد أسبوعين ظهرت النتيجة فإذا هي (83 درجة من المائة! نعم.. عدد الريالات التي أعطاها للرجل!) (ينظر: لأنك الله - علي جابر الفيفي) . قلتُ: وما ينتظره عند الله أعظم. (رحمت عبدًا من عبادي.. أنا أرحم منك.. اذهب فلك كذا...).
الوقفة الثالثة: من آثار التعبد باسمه الجبار على معنى "جبر الرحمة":
1- زيادة محبة الله؛ لأن القلوب جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليها. (سل مَن جربوا جبر الجبار لقلوبهم، وكيف صارت المحبة بعد ذلك في قلوبهم).
2- أن النفس تتوطن على اللجوء إلى الله -سبحانه- الذي يجبر الكسير ويغني الفقير، وهو لا يسأم من سؤال العطايا؛ قال الغني الجبار: ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) (الحجر: 21) .
خاتمة:
- عجيب أمر كثير من الناس (يقفون بباب الخادم الفقير ويتركون باب الملك الغني، يدخلون على الخادم الفقير ويظلون يشكون له الساعات يظنونه يجبر كسرهم، ويتركون باب الملك الغني الجبار للمكسورين!).
- كن مع ربك كالطفل الرضيع مع أمه.. لا يعرف غيرها، لا يطلب إلا منها، لا يفزع إلا إليها (فهو يعلم أنه لا أحد غيرها سيزيل أوجاعه وآلامه، ويجبر كسره ويدفع عنه أحزانه)؛ فكيف بمن هو أرحم بك من أمك؟! إنه "الجبار" -سبحانه-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (رواه البخاري) .
فاللهم يا جبار اجبر كسر قلوبنا، وكسر أرواحنا، وكسر أجسادنا، إنك على كل شيء قدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تركنا المدخل الوعظي في المقدمة؛ نظرًا لتعدد المعاني في اسم الله "الجبار"؛ لأن كل واحد منها يحتاج إلى مدخل وعظي مختلف عن الآخر.
