شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (9) اسم الله (الجبار) (2) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- الإشارة إلى استكمال الحديث عن اسم الله "الجبار" على المعنى الثاني (جبر القوة والقهر). (انظر الموعظة السابقة).

تذكير بمجمل كلام العلماء حول معنى اسم "الجبار" في حق الله على معنيين:

الأول: جبر الرحمة والإصلاح، فإنه -سبحانه- يجبر الضعيف بالغنى والقوة، ويجبر الكسير بالسلامة، ويجبر المنكسرة قلوبهم بإزالة كسرها وإحلال الفرج والطمأنينة فيها؛ وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله. (وسبق الكلام حول هذا المعنى في المرة السابقة).

الثاني: جبر القوة والقهر، فهو -سبحانه وتعالى- الجبار الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله -¸- وجبروته في يده وقبضته، وفيه آية سورة الحشر المتقدمة. وهو موضوع حديثنا اليوم بإذن الله.

وقفات مع اسم الله "الجبار" على معنى جبر القوة والقهر:

الوقفة الأولى: الجبار -سبحانه- لا يخرج شيء عن إرادته:

فالجبار -سبحانه- على هذا المعنى يتضمن القدرة والقوة والقهر، والحكم والإرادة، وسائر صفات العلو والسلطان؛ فضلًا عن العلم والحكمة والخبرة وسائر صفات الكمال: قال -تعالى-: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (الحشر: 23) .

- فهو بمعنى "القادر الحاكم"، فيقدر ما يشاء ويقضي بما يشاء، والعباد مقهورون تحت سلطانه واختياره (قسمة الأرزاق والقوة والضعف، والفقر والغنى، والنصر والهزيمة، والموت والحياة، والبعث والنشور، وغير ذلك): قال -تعالى-: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (يس: 82) (1) ، وقال -تعالى-: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (الزخرف: 32) .

- وهو بمعنى "القاهر القهار" لكل شيء.. الذي دان له كل شيء، وخضع له كل شيء، وهو بمعنى "القوي" الذي لا يدانيه في ذلك أحد، وعن ابن عمر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَ-تعالى- عَمَّا يُشْرِكُونَ )، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ أَنَا الْجَبَّارُ أَنَا الْمُتَكَبِّرُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْعَزِيزُ أَنَا الْكَرِيمُ ) فرجف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر حتى قلنا: ‌لَيَخِرَّنَّ به (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

- وإذا اجتمعت هذه المعاني واستحضرها المؤمن، وهو ينظر إلى كثير من الجبارين من المخلوقين اطمأن قلبه وسكنت نفسه بأن له ربًّا "جبارًا" (يقصم الجبارين ويذل المتكبرين مهما بلغت قوتهم): قال -تعالى-: ( وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) (الأنبياء: 11) ، وقال -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر: 6-14) ، ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ) (فصلت: 15-16) .

الوقفة الثانية: الجبار في المخلوق مذموم في الدنيا هالك في الآخرة:

- صفة الجبار بمعنى القوة والقهر صفة ذميمة في حق المخلوق، وقد ذم الله -تعالى- المتجبرين من خلقه وتوعدهم بالعذاب الشديد، فاحذر أن تتصف بها: قال -تعالى-: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) (غافر: 35) ، وقال -تعالى-: ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ) (إبراهيم: 15-17) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتِ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ... ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية