القلب في القرآن الكريم (1-3) أهمية القلب وأنواع القلوب
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ورد لفظ (القلب) في القرآن الكريم بصيغة المفرد (القلب)، وبصيغة الجمع (القلوب) في أكثر من مئة وثلاثين مرَّةً (132 مرة)، وذلك في ثلاث وأربعين سورةً؛ حيث ورد بصيغة الإفراد في (19) مرَّةً، منها: قول الله -تعالى-: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (ق: 37) ، بينما ورد بصيغة الجمع في بقية المواضع، كما في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ) (الأنفال: 70) ، إلَّا في موضع واحد في القرآن ورد فيه بصيغة المثنى، وذلك في قوله -تعالى-: ( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (الأحزاب: 4) .
- وقيل سُمِّي قلب الإنسان به لكثرة تقلُّبه. وتقليب القلوب والبصائر: صَرْفُها من رأي إلى رأي؛ قال -تعالى-: ( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الأنعام: 110) . (راجع: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني -رحمه الله- مكتبة فياض – المنصورة – ط. 1430 هجريًّا - 2009 م، ص 521) .
- وجاء لفظ القلب موصوفًا بصفة المدح في عدَّة مواضع؛ منها: قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (المؤمنون: 60) ، وقوله -تعالى-: ( مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) (ق: 33) .
- بينما جاء موصوفًا بصفة الذم في مواضع أخرى، منها: قوله -تعالى-: ( إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (النحل: 22) ، وقوله -تعالى-: ( كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ) (غافر: 35) .
ويُطلَق القلب في اللغة ويُراد به أمران:
- أمر مادي: وهو العضو الرئيس في الجهاز الدوري في الجانب الأيسر من الصدر، المسؤول عن ضخ الدم المحمَّل بالأكسجين إلى كل الجسم.
- أمر معنوي: يتعلق بالإدراك والمعرفة والتعقُّل والبصيرة.
- فالعقل في اللغة والشرع أمر معنوي بخلاف ما يظنُّه الفلاسفة وغيرهم من أن العقل أمر مادي محسوس. ومحل العقل لغةً القلب، كما أن النية محلُّها القلب؛ قال -تعالى-: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) (الحج: 46) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) (ق: 37) ؛ أي: له عقل، عُبِّرَ عنه بالقلب؛ لأن القلب محل العقل.
- ولعلَّ لهذا المعنى كان إضافة القلوب إلى الملائكة، قال -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (سبأ: 23) ، فالآية تقرِّر حال الملائكة من الخوف والرهبة والمهابة والتعظيم لله -تعالى- ما تذهب معه عقولهم، فعند البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا ( فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا ) لِلَّذِي قَالَ: ( الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (رواه البخاري) . ولعلَّ لهذا أيضًا جاء إضافة القلوب إلى كفرة الجن، ككفرة الإنس الذين تجهل عقولهم حقائق الأمور وتجهلها؛ قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ) (الأعراف: 179) . والله -تعالى- أعلم.
أهمية القلب ومكانته:
القلب أشرف أعضاء البدن ومُهِمُّها، به قوام الحياة، وجميع أعضاء البدن وجوارحه هي من جنود القلب؛ لذا فأمر القلب خطير وأثره عظيم. دلَّت على ذلك أدلة الكتاب والسنة من أوجه عديدة؛ منها:
1- القلب أصل الاستقامة:
فعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ) (رواه أحمد عن أنس بن مالك، وحسنه الألباني) ، فالقلب كالملك وأعضاء البدن تَبَع له؛ هو يأمر وينهى، وهي تستجيب وتطيع، فباستقامته تستقيم. وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: ( أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ) (متفق عليه) .
فمتى رَسَخَ الإيمان في القلب صَلُحت حركاته وأفعاله وتمكَّنَت منه المحبة لله -تعالى- والخشية والتعظيم والتوكل والإنابة، وكان ذلك إيذانًا بانقياد الجوارح إلى أعمال الطاعة الظاهرة. فإذا فَسَد القلب وتمكَّنَت منه الأهواء وتعلَّقَ بغير الله -تعالى- كان فساد حركات الجوارح ومخالفتها لأوامره -تعالى- ونواهيه.
وفي الإشارة إلى أن القلب هو المخاطب والمقصود بالأوامر والنواهي، وهو موضع الاختيار والتمييز، والأعضاء تابعة له، إذ طاعة الجوارح يسبقها امتثال القلب، يقول -تعالى-: ( وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) (آل عمران: 154) .
2- الإيمان هو تصديق القلب:
