تجديد الإيمان بآيات الصيام (1)
صوت السلف • التزكية
كتبه/ أحمد
حرفوش
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نادى اللهُ عبادَه
المؤمنين بهذا النداء العلوي الجليل: ( يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا ) (البقرة: 183) ؛ ليُحرِّكَ فيهم مشاعرَ الطاعة ويُذْكي فيهم جَذْوة الإِيمان، ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) أي: فرض عليكم صيام شهر
رمضان ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ )
أي: كما فرض على الأمم قبلكم فلستم وحدكم من فرض عليه الصوم .
وقد فُرض الصيام على ثلاث مراحل :
الأولى: فرض صيام عاشوراء .
الثانية: فرض صيام رمضان على التخيير بين أن يصوم أو أن يفطر ويُطعم عن كل يوم
مسكينًا؛ سواء كان مُستطيعًا أم غير مُستطيع.
الثالثة: فرض صيام رمضان بدون تخيير إلا على من لا يستطيعه إطلاقًا فإنه يُطعم.
والحِكمة في هذا التدرج أن الصوم فيه نوع مشقة على النُّفوس فأخذت به شيئًا فشيئًا .
( لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ ) أي: لتكونوا من المتقين لله، المجتنبين لمحارمه. ( أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ) أي: والصيام أيامه معدودات وهي
أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفًا ورحمةً بكم. ( فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي: من كان به مرضٌ أو كان مسافرًا فأفطر فعليه قضاء
عدة ما أفطر من أيام غيرها. ( وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ) أي: وعلى الذين يستطيعون صيامه
مع المشقة الشديدة لشيخوخةٍ أو ضعفٍ إِذا أفطروا عليهم فدية بقدر طعام مسكين لكل
يوم. ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ) أي: فمن زاد على
القدر المذكور في الفدية ( فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ) .
ثم قال -تعالى-: ( وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ )
أي: والصوم خير لكم من الفطر والفدية إِن كنتم تعلمون ما في الصوم من أجر وفضيلة.
( شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ) أي: والأيام المعدودات التي فرضتها عليكم أيها
المؤمنون هي شهر رمضان الذي ابتدأ فيه نزول القرآن حال كونه هداية للناس؛ لما فيه
من إِرشاد وإِعجاز وآيات واضحات تفرِّق بين الحق والباطل. ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) أي: من
حضر منكم الشهر فليصمه. ( وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ
عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) أي: ومن كان مريضًا أو
مسافرًا فأفطر فعليه صيام أيام أخر، وكرّر لئلا يتوهم نسخه بعموم لفظ شهود الشهر .
( يُرِيدُ
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) أي: يريد الله
بهذا الترخيص التيسير عليكم لا التعسير. ( وَلِتُكْمِلُوا
الْعِدَّةَ ) أي: ولتكملوا عدة شهر رمضان بقضاء ما أفطرتم. ( وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ) أي:
ولتكبروا الله على ما أرشدكم إِليه من معالم الدين ( وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ) أي: ولكي تشكروا الله على فضله وإِحسانه .
ثم بيَّن -تعالى- أنه قريب
يجيب دعوة الداعين ويقضي حوائج السائلين فقال: ( وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ) أي: أنا معهم أسمع دعاءهم،
وأرى تضرعهم وأعلم حالهم كقوله: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (ق: 16) .
قال ابن تيمية -رحمه الله-: "وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم
مطّلعٌ إليهم فدخل في ذلك الإِيمان بأنه قريب من خلقه". وقال -صلى الله عليه
وسلم-: ( إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى
أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ ) (متفق عليه ) .
وما ذكر في الكتاب والسنة
من قربه ومعيته لا ينافي ما ذكر من علوّه وفوقيته، فإنه -سبحانه- ليس كمثله شيء. ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) أي: أجيب دعوة
من دعاني إِذا كان عن إِيمان وخشوع قلب. ( فَلْيَسْتَجِيبُوا
لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) أي: إِذا كنت أنا ربكم
الغني عنكم أجيب دعاءكم فاستجيبوا أنتم لدعوتي بالإِيمان بي وطاعتي، ودوموا على
الإِيمان لتكونوا من السعداء الراشدين .
وللحديث
بقية -إن شاء الله-.
