شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الاستقامة بعد رمضان (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وقال -تعالى-: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (الأحزاب:22) ، هذا الذي قال الله فيه: ( هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ) (الأحزاب:11) ؛ كان زلزلة وابتلاءً، فيه زيادة الإيمان والإسلام والتسليم؛ فصار نعمة مِن الله -عز وجل- ورحمة، وفضلاً مِن الله، بدأها الله بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب:9) . نسأل الله العافية.

وبقدر بعد الإنسان عن الله -عز وجل-، وبقدر فعله ما يسخطه؛ بقدر ما يتعس، بقدر ما يشقى، بقدر ما يتألم؛ حتى ولو كانت الدنيا بحذافيرها في يده، وهي لا تكون، وإنما البُعد عن الله -عز وجل- هو العذاب كما قال -سبحانه وتعالى- عن قوم نوح بعد أن أغرقهم الطوفان: ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (هود:44) ، فلما ذكر هلاك عاد قال: ( أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ) (هود:60) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (هود:95) ، وقال: ( وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (هود:44) .

فالبُعد عن الله -سبحانه وتعالى- هو العقوبة، والدنيا بأسرها لا تسد في قلب الإنسان مسدًّا في راحته، وفي سعادته؛ لذاتها كلها فانية، إذا كان الإنسان بعيدًا عن الله -عز وجل-، ترك ما أوجب الله عليه، وفعل ما أسخطه؛ فإنه يَنال مِن الشقاء ما لا يذهبه شيء؛ فإن الشقاء "كل الشقاء" في فعل ما حرَّم الله -سبحانه وتعالى-، والناس إنما يجدون لذاتٍ مِن جنس لذة الجِرب إذا حكَّ جلده، مِن جنس لذة شارب الخمر والمخدرات الذي يتخيل ما يشتهي ثم يصطدم بالواقع، في كل مرة يفيق فيها، يفيق على ألم، قد صار بخياله في آفاق السماء؛ فإذا ذهب مفعول المخدر سقط مهشمًا مكسرًا على الأرض!

فهكذا القلب عندما تلهيه الشهوات، وتسكره وتغمره: ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الحجر:72) ، ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) (المؤمنون:54) ، غمرة وسكرة سمَّاها الله -عز وجل-، هذه الدنيا غفلة كما قال -عز وجل-: ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) (مريم:39) ، هم الآن في الدنيا، هم في غفلة في الدنيا، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ( يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ )، وَهَؤُلاَءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا ( وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ). (متفق عليه) .

حين يذبح الموت بيْن الجنة والنار؛ فهذا يوم الحسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما هم الآن؛ فهم في غفلة، غفلة وسكرة، وغمرة تغمر القلب، هكذا تكون الشهوات، يطير القلب متلذذًا بالخيال، بالوهم "لا بالحقيقة" بهذه اللذات، ثم يسقط على الأرض؛ أرض الواقع الأليم، الشقاء والتعاسة في البُعد عن الله -عز وجل-، والله لقد تغيرت القلوب خلال يومين فقط، خلال ثلاث ليالي، ويومين وجزء مِن اليوم الثالث عما كانت عليه في رمضان، مضى على انتهاء رمضان هذه المدة الوجيزة، ومع ذلك تغيرت القلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله! وبدأت حياة الصراع مِن جديدٍ على جزءٍ يسير مِن جناح البعوضة، جزء يسير تافه لا حقيقة له، الكل يتصارع عليه، شقائه في هذا الصراع، في الحقد والحسد، والتنافس على الدنيا، والتصارع مِن أجلها، ونسيان الآخرة!

عندك ما تجتني مِن الكنوز: ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ) (الكهف:46) ، الكنوز موجودة ( الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ )، كنوز مفتوحة تتركها وتتصارع على الخشبة، على الحجر، بل قُلْ على الروثة! تريد أن تحصل هذه الروثة، وغيرك يريد أن يحصلها، ويجدكم ثالث تتصارعون عليها؛ فيظنها جوهرة، فيدخل معكم في الصراع، كما لو أن الناس وجدوا كتلة مِن البشر يتقاتلون على شيء فدخلوا معهم في القتال! تركوا الكنوز وأغلى مِن الكنوز ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ).

كم يترك الناس سعادتهم في هذه الدنيا قبْل سعادة الآخرة، وقبْل راحتهم في قبورهم، ما يؤنس وحشة القبر هو نصيب الإنسان مِن الطاعة، مِن عمله الصالح الذي يقول: ( أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

إنما تأنس في قبرك وحيدًا بعملك، بما معك مِن القرآن، بما يجعل الله لك مِن النور، مِن العمل الصالح؛ سعادة في الدنيا، وسعادة في القبر والبرزخ، وسعادة يوم القيامة، ومع ذلك يَترك الناس ( الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ )! سمَّاها الله ( الْبَاقِيَاتُ )؛ لأنها تبقى، وتزول لذة الدنيا، طعم الناس في العيد ولبسوا؛ فماذا بقي مِن لذة ذلك؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية