الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (252) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (2)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الفائدة الخامسة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: ( قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ): تضمَّنَتِ الآيةُ الحُجَّةَ التي ضمنها إبراهيم سؤاله لهم؛ وهي: أنها لا تسمع دعاءهم، ولا تملك نفعهم ولا ضرهم، وهذه صفة كل من يعبد من دون الله من الشمس والقمر والكواكب، والأحجار والأشجار، والنُّصب، وكذلك القبور وأصحابها الأموات، فيهم نفس الصفات؛ لا يسمعون دعاء مَن يدعوهم، ولا ينفعونه ولا يضرونه؛ قال الله -تعالى-: ( وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (يونس: 106- 107) .
والعجب: أن المشركين من قوم إبراهيم يقرون بأنها لا تسمع، ولا تنفع ولا تضر؛ كما دَلَّ على ذلك قولهم: ( بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ )؛ فهذا الإضراب معناه: أنها لا تسمعنا إذا دعونا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكن وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. وقال الله -تعالى-: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطر: 13- 14) ؛ فدَلَّ على أنهم كانوا يقرون لله -عز وجل- بالربوبية وتدبير الأمر، ومِلْك النفع والضر.
ثم صار الحال بالمشركين المنتسبين إلى الإسلام اليوم أن صاروا شَرًّا من هؤلاء؛ حيث ينسبون إلى الأولياء -بل وغير الأولياء- ممَّن ينقلون عنهم: تصريح هؤلاء بوحدة الوجود، والقول بمساواة الأديان، وأن:
الـربٌ عـبـدٌ والـعــبـد ربٌ يا ليت شعري من المكلـف؟
إن قـلــت عـبـدٌ فـذاك ربٌ أو قـلـت ربٌ أنَّـي يــكـلـف؟
وأن أحد هؤلاء المزعوم ولايته بالباطل، كان يقول على المنبر: "أشهد أن لا إله إلا لكم إلا إبليس صلى الله عليه وسلم! فقال الناس: كَفَر كَفر؛ فَسَلَّ السيف ونزل مَن على المنبر. ففرَّ الناس من المسجد، وفعل ذلك في ثلاثين جمعة في نفس اليوم، فأي خرافة شَرٌّ من هذا؟!
فهم ينسِبون إليهم الضر والنفع، والمِلْك، والإحياء والإماتة، وإجابة الدعوات والطلبات! بل نسبوا لهم الخلق والرزق والحكم الباطن للكون، وعلى كل ذرات وجوده! بل قال بعض الغلاة من الشيعة:
إن عليًّا -رضي الله عنه- جاعل الأرض مِهَادًا وبانٍ فوقكم سبعًا شدادًا!"، وهذا كفر صريح.
وزعم بعضهم: أن السيدة زينب -رضي الله عنها- هي رئيسة الديوان والحكومة الباطنة؛ ليروِّجوا عند الجهلاء دعاءهم من دون الله، وطلب حاجاتهم منهم، فصاروا شَرًّا من المشركين القدماء؛ إذ أشرك المعاصرون في الربوبية والألوهية، ولولا الجهل عند أهل الجهل منهم، لكان كفرهم بأعيانهم ضروريًّا.
الفائدة السادسة: صرَّح المشركون بأن سبب شركهم هو التقليد للآباء والأسلاف، وكذا كان شرك مشركي قريش، بل وحجتهم الأساسية في مواجهة براهين التوحيد التي جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وفي قصة موت أبي طالب قال له أبو جهل وعبد الله بن أمية حين قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ )، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (متفق عليه) . وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ ) (رواه مسلم) .
فدَلَّ على أن التقليد هو أعظم شبهة عند القوم؛ ولذا لا ينتشر الشرك إلا مع انتشار التقليد وتعظيم الشيوخ حتى يقبل قولهم بلا حجة؛ أحيانًا بزعم الكشف والإلهام، وأحيانًا بزعم ملاقاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة والنوم وإخبارهم عنه بذلك، بل وبعضهم ربما ادَّعى رؤية الله -عز وجل!- تعالى عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.
فالتقليد من أخطر الأمور التي لا بد من محاربتها، ولا بد من نشر اتباع الدليل، ولم يأمر أحدٌ من العلماء بهذا التقليد الذي يحصل في العصور المتأخرة بإلغاء الأدلة من عقول طلبة العلم، وترسيخ التقليد المطلق في نفوسهم، فصار يسهل بعد ذلك أن يتلقوا أنواع الشرك والكفر من الشيوخ، وهم معظِّمون لهم!
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
