الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (14) اسم الله (الهادي) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
ثانيًا: إذا علم العبد أن هداية التوفيق والإلهام لا يملكها إلا الله -عز وجل-: فإن هذا يشعره بافتقاره التام إلى ربه -سبحانه- في طلب هذه الهداية والإعانة عليها، ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) (الأعراف: 43) . (ترديد النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- يوم الخندق وهم محاصرون من الأعداء: "والله لولا الله ما اهتدينا" (متفق عليه) .
ثالثًا: السؤال والدعاء للهادي -سبحانه- بأن يهديه إلى صراطه المستقيم، ويثبِّته على الحق والهدى حتى يلقاه: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يدعو فيقول: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ) (رواه مسلم) . وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ ) (رواه مسلم) . وشُرِع الدعاء في الصلاة: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (الفاتحة: 6) .
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته إذا قام من الليل، فقال: ( اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (رواه مسلم) .
رابعًا: من عرف أنواع الهداية، علم أن الموفق إلى هداية التوفيق من الله هو مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان: قال الله -تعالى-: ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء: 80) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (العنكبوت: 69) . وقال: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران: 31) ، وقال: ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى: 52) ، وقال: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر: 7) ، وقال: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور: 63) .
خامسًا: سعي المؤمن إلى أن يكون هاديًا إلى الله -عز وجل- وإلى صراطه المستقيم: وذلك بنشر العلم والدعوة إلى الله -سبحانه-، وإرشاد الناس إلى الحق، فكلما دعا غيره إلى الخير ليهديه كافأه الله بمزيد الهداية؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: "كما أَن هدايته للغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ بَاب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه هداه الله وعلَّمه، فيصير هاديًا مهديًّا كما في دعاء النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام أحمد وغيره: ( اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) . وقال -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف: 108) .
فاللهم اهدنا، واهدِ بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى، وجنِّبنا طرق الزيغ والضلالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من بديع ودلائل قدرة الله وعظمته في هداية المخلوقات: ما كان من هدايته للنحل والنمل في بناء بيوته المعقدة الإنشاء، البالغة الدقة، ذات الغرف والدهاليز، والمخازن والأقبية، موافقة لقوانين الهندسة المعمارية! فضلاً عن نظام العمل الاجتماعي التعاوني المدهش في تلك الخلايا. فلسبعة أمتار قد يصل ارتفاع عش النمل الأبيض، ونحو 30 ألف بيضة في اليوم من "الملكة"، وما سيتتبعه من بناء غرف جديدة لتسع هؤلاء القادمين الجدد من النمل؛ فأي هداية وأي جهد وعمل دؤوب مبذول؟!
وانظر للكلاب وهدايتها التي تنعكس في تعدد خدماتها ووفائها للإنسان، من حراسة الماشية والمنازل والحدود والأفراد، وإنقاذ المفقودين والمسافرين، وقيادة فاقدي البصر، وخدمة توصيل بعض الأغراض للمقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، ووسيلة للجر والنقل، ووسيلة للاتصال أيام الحروب والأزمات، ومهمة استكشاف المخدرات، والمواد المحظورة، واستكشاف المناجم! فمَن الذي "هداها" لتفعل كل هذه الخدمات للإنسان؟! صدق الله القائل في محكم آياته: ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ).
