شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (253) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء: 69- 89) .

الفائدة السابعة:

دلَّ قوله -تعالى-: ( قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) على وجود العداوة والبغضاء مع الآلهة المعبودة من دون الله، وهي وإن كانت حجارة أو خشبًا لا يعقل؛ فإنه قد صار لها رمزية الآلهة، فتسميتها وحقيقة عداوتها وبغضها هو لفكرة عبادتها من دون الله، وبغض عابديها؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) (الممتحنة: 4-6) .

فالكفر بما يُعبد من دون الله وعداوة فكرة عبادتها، وعداوة عابديها حتى يؤمنوا بالله وحده؛ هذه المسألة هي أعظم مسألة تبدأ بها كلمة الشهادة: (لا إله إلا الله)؛ فهي تبدأ بالنفي للألوهية الباطلة التي ادَّعاها المشركون لآلهتهم ثم إثبات الألوهية الحقة لله وحده، وهذه العداوة واجبة، بل ركن في الإيمان لا يحصل الإيمان والتوحيد إلا بها، وهي ما ينقم أعداء الإسلام علينا نحن المسلمين، وخاصة أهل السنة والجماعة؛ الذين يقيمون عقيدة الولاء والبراء، ويقيمون النفي والإثبات، ويصرِّحون بكفر مَن عبد غير الله، ويرفضون فكرة ما يُسمَّى: بـمُسَاواة الأديان، وما يسمى: بالدين الإبراهيمي الجديد القائم على مُسَاواة الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بزعم انتسابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وهو -عليه الصلاة والسلام- بريء منها؛ قال الله -عز وجل-: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 67- 68) .

وهي إنما هي فكرة لخداع المسلمين دون غيرهم؛ فهل ترون ما يفعل اليهود ومَن والاهم مِن المشركين مِن النصارى ومَن وَالَاهم بالمسلمين في غزة -سابقًا- وفلسطين والضفة الغربية، وما يفعلونه في حروبهم المختلفة في الخليج، وكيف قتلوا في الخليج والعراق وأفغانستان، وكيف قتلوا ملايين المسلمين وهم يزعمون أنهم يعتقدون مُسَاواة هذه الأديان؟! فهذا إنما هو لخداع المسلمين فقط؛ وإلا اليهود يعتقدون أنه لا دين يعلو إلا اليهودية التي هم عليها، وهي على ما هي عليها الآن من التحريف والتبديل لا يمكن أن تُنسَب إلى موسى -عليه السلام-، وكذا المسيحية والنصرانية لا يمكن أن تُنسَب إلى عيسى -عليه السلام-.

وهذه البراءة وفكرة معاداة عبادة غير الله هي أوضح المسائل عند إبراهيم -عليه السلام-، وهو بَدَأَ بها كما نسمع في دعوة أبيه وقومه، وفي قوله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الزخرف: 26-28) ، فهي كلمة لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها بأمر الله.

الصفحة التالية