الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (254) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (4)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وكذا نَسَبُوا لهم أنهم يُحْيُون ويُمِيتُون بقوله: "مُت أو اخْرُج حيًّا، أو نحو ذلك"، وهذا هو الضلال المبين، وكذلك قضية الأرزاق يَحْتَجُّون بقول الله -عز وجل-: ( وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) (النساء: 8) ؛ الذي يَعْلَم كل عاقل أن المقصود بذلك العطاء، كما يُقَال: أرزاق العمال ونحو ذلك أي: العطايا التي يَأْخُذُونها، وأما ما انْفَرَد الرب -عز وجل- به من الرزق، فهو أنه -سبحانه وتعالى- يَخْلُق الأرزاق في السماوات والأرض، وأنه هو الذي يُوصِلُها إلى خلقه مما يَعْجِز عنه جميع الخَلْق، بل هو -سبحانه وتعالى- يُدَبِّر هذا الرزق في أجساد عباده من الأنبياء والأولياء؛ فضلًا عن غيرهم بقدرته وحده لا شريك له.
وكذلك في أمر التدبير الذي انْفَرَد الله -عز وجل- به: فاستدلوا على مشاركة الأولياء والأنبياء بتدبير الأكوان وتدبير الأمر بقوله -عز وجل-: ( وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (النازعات: 5) ، وفرق بين ( وَيُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) التي فيها الألف واللام الاستغراقية، وبين تدبير أمرٍ من الأمور؛ فالإنسان يُدَبِّر أمر أسرته ومصاريف شركته، ونحو ذلك، والملائكة تُدَبِّر أمورًا كَلَّفَها الله -عز وجل- بها وهم يَفْعَلُون ما يُؤْمَرُون، والله الذي أَقْدَرهم على ذلك؛ فكيف يُقَال: هذا التدبير يَنْتَقِل إلى تدبير الأكوان، وأن الأكوان بيدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بيد علي أو بيد القطب الغوثي الذي تَحْصُل جميع الحركات والسكنات والأرزاق بأمره؟! تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
فالذي يَقْدِر على تدبير الأكوان، وتدبير الأمر كله هو الله -عز وجل- لا يَقْدِر على ذلك إلا هو، الملك الذي له مُلك السماوات والأرض.
وأما احتجاجهم على دعائهم الأموات بنحو قوله -عز وجل-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ) (البقرة: 260) .
فقالوا: طيور صَارَت أمواتًا ودَعَاهُنَّ إبراهيم، فأجابته! وهل هذا إلا اشتراك لفظي في كلمة الدعاء بين دعاء الطلب في قضاء الحاجات، وكشف الكُرُبَات، وشفاء الأمراض الذي لا يَقْدِر عليه إلا الله، وهو فِعْلُه -سبحانه وتعالى- الذي ذَكَرَه إبراهيم في الاحتجاج عليهم، وبين دعاء الشيء للحضور، وقد أَحْيَا الله له الطيور بنصِّ القرآن: ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ) فأَتَتْه؛ فهل طَلَب إبراهيم منها قضاء حاجة أو شفاء مرض، أو هداية أو مغفرة، أو تدبير أمر؟!
بل هي بمنزلة نداء السيد لعبدِه أن يَحْضُر بين يديه، وأن يَدْعُوه للحضور، وليس أن ذلك يَدْعُوه لقضاء الحاجات؛ فيا للعجب! كل العجب الذي تَضْحَك منه عقول العالم على التسوية بين المختلفين، والتفرقة بين المتساويين!
فالمخلوقون كلهم متساوون في الضعف والعجز إلا ما أقْدَرهم الله -عز وجل- عليه، والعجب أن هؤلاء يُضَلِّلُون أهلَ السُّنة والتوحيد، ويَدَّعُون أنهم أهل الحق، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
