الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (255) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (5)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
فعندهم الأولياء لا شريك لهم في الملك، وهم يقبلون مثل هذه الخرافات وكأنهم لم يسمعوا قول الله -عز وجل-: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) (فاطر: 13-14 ) . وقوله -سبحانه وتعالى-: ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ) (سبأ :22) ، والآية في الملائكة التي عبدها المشركون من قريش على أنها بنات لله سبحانه و-تعالى-، فبيَّن الله أنهم لا يملكون شيئًا، فتجرأ هذا المتكبر على ربه -عز وجل- حتى قال: "الملك ملكي أفعل فيه ما أريد!"، ويقول له الآخر: "أليس لك شريك في الملك؟ فيقول: لا شريك!"؛ كأنهم لم يسمعوا تلبية النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين عبر الزمان: "إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". نعوذ بالله من الشرك والخذلان.
وهذا الضلال والشرك الأكبر في الربوبية ثم في الألوهية؛ لأنهم يطلبون من الأموات أن يردوا روح الرجل بعد أن قبضها غيره؛ فلا بد من التحذير من ذلك وبيان بطلانه من خلال تلاوة آيات القرآن العظيم التي تدل على أن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا بد أن نبيِّن للناس خطر هذا التقليد الأعمى للشيوخ وتصديقهم فيما يدَّعون حتى فيما هو من صفات الله -سبحانه وتعالى- وربوبيته، وما يجوزونه من دعاء الأموات بزعمهم أنهم يجيبون من دعاهم، ويقضون حاجات الناس.
الفائدة العاشرة:
قوله -تعالى- عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ( وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ): هذه عبودية مستقلة تدل على توحيد الله -عز وجل-، وأنه وحده الذي يغفر الذنوب والإيمان باليوم الآخر، وهذه المغفرة هي النافعة يوم القيامة، قال -سبحانه وتعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران: 135 ) ، فالاستغفار سبب لتوبة الله -عز وجل- على عبده، وإذا أطلق الاستغفار والطمع فيه؛ فالمقصود به: أنه مع التوبة إليه سبحانه و-تعالى-، ويوم القيامة يكون الاستغفار مع التوبة مقبولًا تمحى به الذنوب إذا كان الإنسان قد أخلص نيته لله -عز وجل-.
وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء والطمع في مغفرة الذنوب يوم الدين علامة على الإيمان وترك ذلك علامة على الكفر، كما في الحديث في مسلم وغيره عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان فإنه كان يصل الرحم ويفعل المعروف: أينفعه ذلك عند الله -عز وجل-؟ فقال: ( لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ).
والخطيئة في حق الأنبياء على الصحيح من أهل العلم إنما هي الاجتهاد الذي قد يقع فيه خطأ أو نسيان أو فيه فتور عن الذكر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه مسلم) ، وقال: ( وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) (رواه البخاري) .
ولقد ذكر الله -عز وجل- نسيان آدم فقال: ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (طه: 115 ) ؛ وذلك لأن الأنبياء يلزمهم من التحفظ والذكر والتذكر لأوامر الله أكثر مما يلزم غيرهم، وكذلك ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل موسى نفس الفرعوني الكافر وهو لم يؤمر بقتله، أنه كان خطأ، فقال: ( وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً ) (رواه مسم) ، والخطأ في الاجتهاد قد وقع من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في أسرى بدر، وكذلك في مسائل ثبت فيها أنه -صلى الله عليه وسلم- أخطأ أولًا ثم نزل الوحي بتوجيهه كما في قصة زينب بنت جحش التي أنزل الله فيها: ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) (الأحزاب: 37 ) ، وكذلك قصته مع الأعمى صلى الله عليه وسلم: ( عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ) (عبس: 1-2) ، أو يكون هناك فعل لخلاف الأولى؛ فهذا ما يسمى خطيئة في حق الأنبياء، وليس بخطيئة في حق غيرهم لعلو منزلتهم ومزيد قربهم من الله -سبحانه وتعالى-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
