الحجُّ.. ميلادٌ جديد (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولو ازدحم الناس في مكانٍ مغلق -ولو لبُرْهَةٍ يسيرة مِن الزمن- يشعرون بالاختناق، ووقتها يشعرون برحمة الله عليهم بالهواء، وكل هذه الرحمات ما هي إلا جزء واحد فقط مِن مائة جزء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ ) (متفق عليه) .
والرحمة التي أوجدها الله في قلوب الآباء تجاه أبنائهم أظهر وأوضح مِن أن تُبَيَّن، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أراد أن يُعَلِّم أصحابَه وأُمَّتَه مِن بعده ما اتصف به الله -سبحانه- من الرحمة جعل رحمة الأم بوَلَدِها مثالًا حَيًّا يُقَرِّب للأذهان عظيم رحمته واتساعها، فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ) قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: ( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (متفق عليه) .
ثم يتأمل ذلك القلبُ الوليدُ رحمةَ الله الخاصة بعباد الله المؤمنين الصالحين؛ فهي أعظم قدرًا وأعلى منزلة، فهو الذي رَحِمَهم حتى وجَّه قلوبَهم إليه، وعَرَّفَهم الطريق إليه، وجعل قلوبَهم تُحِبُّه وترجوه، وتخافه وتتوكل عليه، وهذه -بلا شك- رحمة أعظم مِن رحمته بسمعهم وبصرهم وقدرتهم الحسية.
هكذا تتعدد مشاهد هذا القلب الوليد؛ فيشاهد أيضًا عِلْمَ الله -سبحانه وتعالى-: ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (الأنعام:59) ؛ انظر إلى أوراق الشجر في غابات العالم الشاسعة المترامية الأطراف، كم ورقة تسقط؟ كم تصل يابسة؟ كم منها ينبت بعد ذلك؟ كم في البر والبحر والسماوات مِن أنواع الكائنات والمعلومات؟ كل هذا لا يعلمه بتفاصيل تفاصيله إلا الله، ويعلم -سبحانه- السِرَّ وأخفى؛ السِرّ: الذي تخفيه في نفسك، وما هو أخفى منه: الذي لا تعلمه أنت مِن نفسك! كما قال عيسى -عليه السلام-: ( تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) (المائدة:116).
ثم هذه الولادة مِن جديد -كما اقتضت إدراكات- تقتضي إراداتٍ جديدة، يتحرر الإنسان بها مِن أَسْرِ الشهوات والرغبات، والعادات والتقاليد التي تضعه في إطار عبودية لغير الله؛ يتحرر مِن ذلك ليذوق معنى ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، يدرك وظيفتَه الأساسية في هذا الكون، ويذوق الإنسان بها طعم الحياة الطيبة، فيعرف رَبَّه ويتوجه إليه بالحب والرجاء والخوف، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والشوق إلى لقائه.
إراداته تتغير؛ يريد سجدة يخشع فيها لله، ويرغب أن يقرأ القرآن بتلاوةٍ يخشع فيها قلبه لله، يريد عملًا صالحًا يُقَرِّبُه أكثر وأكثر مِن مرضاة الله، يتنافس مع إخوانه على حفظ كتاب الله، وفهمه، والعمل به، والدعوة إليه والثبات على ذلك، هذا ميدان تنافسه الذي يستشعر به الحب، ليس فقط بينه وبين الصالحين، وإنما والله يستشعر ذلك الحب حتى مع الجمادات، وكيف لا وهو على يقين أنها مثله تسبح الله -جَلَّ وعَلَا- وتَلْهَجُ بذكره، ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) (الإسراء:44).
فتَسْمُو إراداته إلى أن يريد وجهَ الله والدارَ الآخرة، ويريد أن يتعَبَّدَ له كما تَعَبَّدَ الأنبياءُ، ليَصْحَبَهم في الآخرة كما صَحِبَ سيرتَهم في الدنيا مِن خلال القرآن العظيم، بقلبه الذي قد وُلِدَ مِن جديدٍ.
بهذا يكون قد تَغَيَّرَ هذا القلبُ في إراداته وحركاته كما تَغَيَّرَ في فَهْمِه وتَصَوُّرِه، فيعلم ويريد ما لم يكن يعلم أو يريد مِن قبْل، تمامًا كما يصير الطفل بعد ولادته؛ يرى ما لم يكن يرى في بطن أمه، ويعلم ما لم يكن يعلم، ثم يريد ما لم يكن يريد داخل بطن أمه، فالقلب الذي يُولد مِن جديدٍ يستغني بالله -عز وجل- عن الناس؛ فلا يريد إلا وجه الله ( وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ) (الليل:19-20) .
نسأل الله -تعالى- أن يَمُنَّ علينا بقلبٍ حَيٍّ جديدٍ، يريد الله -عز وجل- والدارَ الآخرة، ونسأله -تعالى- أن يجعلنا مِن عباده المخلصين.
