شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (17) اسما الله (المقدم والمؤخر) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

ثالثًا: الإيمان بحكمته سبحانه البالغة في تقديم ما قدَّم وتأخير ما أخَّر، وهذا يشمل كل شيء قُدِّم أو فُضِّل على غيره أو أُخِّر عنه، ومن ذلك: ما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره؛ فإنَّ مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته -سبحانه- يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأنَّ الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر: قال -تعالى-: ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (البقرة: 216) (2) .

رابعًا: تقديم من قدَّمه الله -عز وجل- وتأخير من أخَّره -سبحانه-، وذلك بأن يكون ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله -عز وجل- في ذلك كله: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات: 13) . وقال -تعالى- عن طالوت: ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 247) .

وجاء في سيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبا سفيان بن حرب وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء، استأذنوا على عمر -رضي الله عنه-، فأذن قبلهم لصهيب وبلال -رضي الله عنهما-، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فقال لهم سهيل -رضي الله عنه-: "أيها القوم إني والله أرى في وجوهكم الغضب، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم؛ دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دُعوا يوم القيامة وتُركتم؟!" (التوابون لابن قدامة) .

فاللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن القيم -رحمه الله-: "العبد سائر لا واقف، فإمَّا إلى فوق وإمَّا إلى أسفل، وإمَّا إلى أمام وإمَّا إلى وراء. وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة. ما هو إلا مراحل تُطوى أسرع طيٍّ إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر. وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء: ( إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيرًا لِلْبَشَرِ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ) (المدثر: 35- 37) ، ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة" (مدارج السالكين) .

(2) قصة عامل دورة المياه: كان رجل صالح فقير جدًّا، يعمل خادمًا على دورة مياه عامة، فقررت الهيئة الحكومية إجراء اختبار للعاملين في القراءة والكتابة (محو الأمية)، ومن نجح جددوا له عقد الخدمة والعكس. فجاء الرجل ليلة الامتحان إلى إمام المسجد، وطلب منه أن يدعو الله له بالنجاح، فقال الشيخ الفقيه: "اللهم قدِّر له الخير"، فقال الرجل متسائلًا: أنا أقول لك أن تدعو لي بالنجاح! فقال الشيخ: إنك لا تدري أيَّ الحالين لك خير! وانصرف الرجل غير راضٍ بما قال الشيخ. وفي اليوم التالي ذهب إلى الامتحان، وظهرت النتيجة بعد ذلك بالرسوب، وعليه تم إخراج الرجل من عمله، وظل الرجل حزينًا كئيبًا أيامًا وهو يفكر في أسباب الرزق لأولاده! فقام بصناعة عربة خشبية صغيرة جدًّا لبيع اللب والفول السوداني بجوار دورة المياه! ودارت الأيام والشهور، ووجد الرزق أكثر من راتب عمله السابق، فقرر أن يستأجر محلاً صغيرًا تحسينًا للرزق. ودارت الشهور والسنون والرزق يزداد يومًا بعد يوم، فقرر شراء محل أكبر وأفضل، وهكذا ظل الرزق يزيد والرجل يطور من عمله حتى صار الرجل من أكبر التجار في بلده! الله أكبر!

وهنا يأتي السؤال: ماذا لو نجح الرجل في امتحان محو الأمية؟! لكنه -عز وجل- المقدم والمؤخر بحكمة تخفى عن العباد.

الصفحة السابقة